التقعيد الفقهي وأثره في الخلاف الفقهي


دراسة تطبيقية لقاعدة: “هل تبطل المعصية الترخص أم لا؟”

إن التقعيد الفقهي من أهم أسباب اختلاف الفقهاء، بما هو “عمل علمي يمكن الفقهاء من استنباط الأحكام الكلية التي ينطبق كل واحد منها على جملة من الفروع والجزئيات انطباقا مطردا أو أغلبيا“(1).

ويظهر ذلك واضحا إذا ما تأملنا في حقيقة القاعدة الفقهية من حيث كونها قاعدة كلية تندرج تحته جزئيات، وقد تقرر الخلاف في الجزئيات فبطريق اللزوم هو متقرر في الكليات بما هي حاوية لتلك الجزئيات، وعليه فـ”جزئيات [القاعدة] الكلية قد يقرر فيها بعض الفقهاء حكما، ويقرر بعضهم حكما مخالفا فيكون الخلاف ناشئا في أصل القاعدة”(2).

وقد اخترنا قاعدة من القواعد التي كان الخلاف في أصل تقعيدها سببا من أسباب الخلاف الفقهي في الفروع المندرجة تحتها، وهي قاعدة: “هل تبطل المعصية الترخص أم لا؟.

ونلخص عملنا في دراسة القاعدة: في شرح مفرداتها الرئيسة لغة واصطلاحا، ثم توضيحها، ثم بيان تطبيقاتها، ثم مستثنياتها، وذلك بحسب ما يسره الله تعالى ووفقنا إليه.

وقد راعينا في دراسة هذه القاعدة هدف هذا البحث المتواضع، والمتمثل في بيان أثر التقعيد الفقهي في اختلاف الفقهاء.

قاعدة: هل تبطل المعصية الترخص أم لا؟

 شرح المفردات:

أولا: البطلان.

لغة: من بطل الشيء يبطل بُطْلا وبُطولا وبُطْلانا، ذهب ضياعا وخسرا، ويقال: ذهب دمه بُطْلا أي هدرا ،والباطل نقيض الحق.

واصطلاحا: البطلان هو ما يقابل معنى الصحة وله معنيان؛ أحدهما أن يراد به عدم ترتب آثار العمل عليه في الدنيا، كما نقول في العبادات، إنها غير مجزئة ولا مبرئة للذمة(…)، وكون العبادة باطلة، إنما لمخالفتها لما قصد الشارع فيها.

والثاني من الإطلاقين أن يراد بالبطلان عدم ترتب آثار العمل عليه في الآخرة وهو الثواب، ويتصور ذلك في العبادات والعادات.

والبطلان والفساد بمعنى واحد عند الجمهور.

وعند الأحناف البطلان غير الفساد، فالبطلان عندهم فيما يكون وصفه مختلا بفقد ركن، والفساد(…) بفقد شرط(3).

ثانيا: الرخصة.

لغة: يقال: رخص الله في أشياء إذا خففها عن عباده: والترخيص في الأمر، خلاف التشديد(4).

واصطلاحا: هي “حكم مبني على عارض وعذر مشروع في أحوال خاصة للتخفيف عن العباد أصحاب العوارض والأعذار، أو هي اسم لما أباحه الشارع عند الضرورة؛ تخفيفا عن المكلفين ودفعا للحرج عنهم”(5).

ثالثا: المعصية.

لغة: من العصيان: خلاف الطاعة، من عصى العبد ربه إذا خالف أمره وعصى فلان أميره يعصيه عصيا وعصيانا ومعصية إذا لم يطعه(6).

واصطلاحا: هي فعل حرام يقصد إلى نفسه مع العلم بحرمته(7).

المعنى الإجمالي للقاعدة ومذاهب الفقهاء فيها:

المعروف عند الفقهاء أن المعصية لا يصح  أن تكون سببا إلى رحمة الله ونعمه وإنما إلى عقوبته ونقمه(8)، ولما كانت الرخصة نعمة من الله على عباده لإعانتهم والتخفيف عنهم ورفع الحرج عنهم، صح أن تبطل المعصية الترخص فلا تناط الرخص بالمعاصي.

وعموما فهذه القاعدة فيها خلاف كبير بين الفقهاء عامة؛ “فأقرها الشافعية والحنابلة، محتجين في ذلك بقوله تعالى: فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ(9)، فالرخصة لا يصحبها بغي ولا عدوان، فإن صحبها سقطت إلى أن يتوب(…) وأبطل الحنفية هذه القاعدة بإطلاق، ولم يروا مسوغا للعمل بها، واحتجوا بقوله تعالى: وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُم(10)، قال الجصاص رحمه الله: “ومن امتنع عن المباح حتى مات كان قاتلا لنفسه، متلفا لها عند جميع أهل العلم، ولم يختلف في ذلك عندهم حكم العاصي والمطيع(…).

[أما] علماء المالكية [فقد اختلفوا]: فمنهم من قال: يمنع الترخص في المعصية [محتجين بحجج الشافعية والحنابلة وتحمس لهذا القول ابن العربي]، ومنهم من قال بالجواز [وهو القرطبي](11)، ومنهم من فصل(…) كابن خويزمنداد المالكي(…) فأجاز الرخصة في الأكل للمضطر والتيمم، وعدم الرخصة في الفطر والقصر، وقال: “فأما الأكل عند الاضطرار فالطائع والعاصي فيه سواء، لأن الميتة يجوز تناولها في السفر والحضر(..)وليس كذلك الفطر والقصر، لأنهما رخصتان متعلقتان بالسفر فمتى كان السفر سفر معصية لم يجز أن يقصر فيه”(…) وهذا الذي قرره القاضي عبد الوهاب(…) وأكده القرافي رحمه الله وحققه، مبينا سبب الترخيص للعاصي في أكل الميتة، دون القصر والفطر”(12). وهذا هو المشهور من مذهب مالك رحمه الله(13).

واختلافهم في هذه القاعدة مرده إلى اختلافهم في فهم أصلها وهو قوله تعالى: فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْه(14)، يقول الدكتور محمد الروكي حين تعرضه للحديث عن هذه القاعدة: “وأما سبب اختلافهم في أصل هذه القاعدة: فهو الاشتراك اللغوي الجملي،(…) فقوله تعالى: غير باغ ولا عاد يحتمل أن يكون المراد به: غير باغ ولا عاد في سفره، أي إن سفره سفر طاعة لا سفر معصية، ويحتمل أن يكون المراد به: غير باغ ولا عاد في تناوله لأكل المحرم، أي إن المضطر لأكل الميتة يحل له أن يأكل منها شريطة أن لا يتجاوز حد الضرورة وهو سد الرمق.

فالذين حملوا الآية على المعنى الأول استنبطوا منها قاعدة: “الرخص لا تناط بالمعاصي”، والذين حملوها على المعنى الثاني رأوا أن لا وجه لاستنباط هذه القاعدة منها”(15). وعليه فإنهم لما اختلفوا في تقعيد القاعدة والعمل بها اختلفوا في أحكام الجزئيات المندرجة تحتها، وبيان أمثلة ذلك في المحور التالي:

تطبيقات القاعدة:

لهذه القاعدة تطبيقات عديدة منها:

قصر الصلاة أو الإفطار في رمضان للمسافر العاصي باطل، وعليه القضاء في الصلاة، والكفارة في الصيام”(16). فالقصر والإفطار في السفر رخصة، فلا يناط بمعصية. كما أن السفر في هذه الحالة في حكم المعدوم استنادا إلى قاعدة: “المعدوم شرعا كالمعدوم حسا” فالسفر في الحرام يكون معدوما شرعا، وعليه فهو كالمعدوم حسا، فكأن المكلف ليس في سفر ما دام سفره سفر معصية، فلا يجوز له قصر الصلاة والفطر في رمضان.

المسح على الخفين للعاصي: فيه وجهان أصحهما: الجواز؛ لأن ذلك جائز بلا سفر.والثاني: عدمه، تغليظا عليه، كأكل الميتة(17)، قال القرافي: “قال صاحب الطراز: إذا قلنا لا يمسح إلا المسافر فيشترط في السفر الإباحة، قياسا على القصر والفطر، ولأن الرخص لا تستباح بالمعاصي، وإذا قلنا: يمسح الحاضر والمسافر، فهل يمسح العاصي بسفره؟ قولان، والصحيح المسح، لأن عدم الاختصاص يصير طرديا في الرخصة”(18).

المضطر إلى أكل الميتة في سفر المعصية هل يرخص له في أكلها، وهو الصحيح، حفظا للنفس حتى إنهم عدوا الأكل عزيمة، وترك الأكل معصية، أو لا يأكل، لأن العاصي لا يعان(19). حكي الوجهان والأصح أنه يأكل الميتة حفاضا على نفسه، ولأن الأكل عند الاضطرارالطائع والعاصي فيه سواء؛ لأن الميتة يجوز تناولها في السفر والحضر للضرورة، وليس بخروج الخارج إلى المعاصي يسقط عنه حكم المقيم(20).

لو استنجى بمطعوم أو محترم أي له حرمة، كالذي كتب عليه اسم معظم، أو علم شرعي، لا يجزئه الاستنجاء في الأصح، لأن الاقتصار على الحجر رخصة فلا يناط بمعصية (21).

لو جن المرتد وجب عليه قضاء صلوات أيام الجنون، بخلاف ما إذا حاضت المرتدة لا تقضي صلوات أيام الحيض لأن سقوط القضاء عن الحائض عزيمة، وعن المجنون رخصة، والمرتد ليس من أهل الرخصة(22)، يقول الزركشي في البرهان: “لو جن المرتد، ثم أفاق وأسلم لزمه قضاء الفائتة زمن جنونه، مع أن سقوط القضاء عنالمجنون تخفيفا،والمرتد ليس من أهل التخفيف” (23).

إذا سكر بمحرم وطال زوال عقله لم تسقط عنه الصلاة بل عليه قضاء ما فاته جميعا من صلاته باتفاق(24).

مستثنيات القاعدة:

وقد استثني من هذه القاعدة صور منها:

لو شربت دواء فأسقطت “وصارت” نفساء، لا تقضي “الصلاة أيام نفاسها” وإن كانت عاصية في الأصح، إلا أن يدعى أن سقوط الصلاة عن “النفساء” عزيمة.

جواز الاستنجاء بقطعة ذهب أو حرير يجوز في الأصح.

صحة المسح على الخف المغصوب والمسروق على الأصح، والفرق بينه وبين ما سبق أن المسافر العاصي لا يستبيح المسح، ولأن المعصية هنا لا تختص باللبس، ولهذا، لو ترك لبسه لم يترك المعصية وهناك المعصية بالسفر.

إذا صب الماء بعد الوقت لغير غرض وتيمم، فقيل تجب الإعادة لعصيانه، والأصح لا، لأنه فاقد.

صحة التيمم بتراب مغصوب، كما جزم به النووي في شرح المهذب مع أن التيمم رخصة على رأي(25).

ذ. محمد أمين الخنشوفي

————————-

1 – نظرية التقعيد الفقهي وأثرها في اختلاف الفقهاء، ص: 243.

1 – نفسه، ص: 244.

2 – معجم أصول الفقه، ص: 71-72، بتصرف، وينظر تلخيص الأصول، ص: 29، وشرح الأصول من علم الأصول، ص: 79،وأصول الفقه الإسلامي للحسين والسريتي، ص: 462.

4 – لسان العرب 3/1616 مادة (رخص).

5 – معجم أصول الفقه، ص: 139، وينظر تلخيص الأصول، ص: 29، وأصول الفقه الإسلامي للحسين والسريتي، ص: 431.

6 – لسان العرب: 4/2981. مادة (رخص).

7 – الكشاف 1/908، مادة (الزلة).

8 – القواعد الفقهية وتطبيقاتها في المذاهب الأربعة، ص: 810.

9 – البقرة : 173

10 – النساء : 29

11 – كذلك أجازها الجصاص،ينظر القواعد المستخرجة من الذخيرة، ص: 294.

12 – القواعد الفقهية وتطبيقاتها في المذاهب الأربعة، ص: 744،724، بتصرف.

13 – نفسه، ص:725.

14 – البقرة : 173

15 – نظرية التقعيد الفقهي وأثرها في اختلاف الفقهاء، ص: 249.

16 – المصدر السابق، ص: 725.

17 – الأشباه والنظائر، للسيوطي، 1/139.

18 – الذخيرة 1/322.

19 – تطبيقات قواعد الفقه عند المالكية، ص: 65.

20 – القواعد الفقهية وتطبيقاتها في المذاهب الأربعة، ص 724.

21 –  ينظر: الأشباه والنظائر، لتاج الدين السبكي،1/135، و المنثور في القواعد الفقهية، للزركشي، 2/168، و القواعد الفقهية وتطبيقاتها في الأحكام و النوازل، ص:722.

22 – إيضاح القواعد الفقهية لطلاب المدرسة الصولتية، ص: 62.

23 – المنثور في القواعد الفقهية، 2/168.

24 – موسوعة القواعد الفقهية، للبورنو، 4/402.

25 –  المنثور في القواعد الفقهية،2/169.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *