إلى أن نلتقي – نقط الامتحان ومعايير القبول في المؤسسات العليا


 

جرى العرف أو كاد في مختلف المؤسسات والهيئات والجامعات على أن نقط الامتحان هي المعيار الذي  يُقبل على أساسه الطالب المترشح أو يرفض، إذ أن المؤسسات ذات الاستقطاب المحدود عادة ما تضع سقفا أدنى محددا لولوجها، وقد تعتمد المباريات بعد ذلك، وقد تكون النقطة العليا المحصل عليها كافية لأن تؤهل صاحبها تبوُّء مقعد بشكل مريح في المجال الذي يأمله.

إن النقط المحصل عليها في نهاية السنة حساسة جدا، إذ أنها قد تؤدي بسهولة بطائفة إلى الولوج إلى مؤسسات عليا متميزة، كما أنها قد تعصف، وبسهولة أيضا، بمجموعة أخرى بفارق بسيط جدا بينها وبين جملة من المحظوظين، ومن ثَم قد تقضي على حُلم كان يراود هذه المجموعة، وخاصة حينما يتعلق الأمر بشهادة البكالوريا.

وبسبب ذلك أحست الجهات المعنية في أكثر من بلد أن المسألة حساسة جدا، فاتخذت إجراءات عديدة متتالية، لعل آخرها عندنا ما قيل عن إلغاء اعتماد نقط المراقبة المستمرة في المعدل العام للبكالوريا ابتداء من السنة المقبلة.

ولعل إجراءً من هذا القبيل يمكن أن يكون له دور متميز في الارتقاء بمستوى جودة الشهادة، وإعطاء مصداقية أكبر للنقطة المحصل عليها، لو كانت الامتحانات تجري عندنا في ظروف عادية على الأقل، ولا أقول ممتازة، لكن الأمر على خلاف ذلك، ومن ثَم فإن الإجراء لا يعالج المشكلة من جذورها، لأسباب منها:

أن ما قد يحصل في نقط المراقبة المستمرة من “كرم حاتمي”، هنا أو هناك، أو ما يمكن أن يكون من غش وتدليس في امتحاناتها وفروضها، قد يحصل أيضا في الامتحانات الجهوية والوطنية. ولعله بالنظر -على الأقل- إلى ما تناقله الناس عبر وسائل التواصل الاجتماعي من تسجيلات مرئية لمرشحين لامتحان البكالوريا، وما صرحوا به عما فعلوه من أفعال داخل قاعة الامتحان، أو ما كان ينوي بعضهم فعله، وتسجيلات أخرى لما ضُبط عند عدد من التلاميذ من وسائل غش متطورة، حتى ولو كان بعضها تقليديا في أصله، يدل بشكل أو بآخر أن الغش قد يحصل أيضا في الامتحانات الإشهادية الوطنية، ولو بنسب متفاوتة. ولذلك فإن عدم اعتماد نقط المراقبة المستمرة في النتيجة النهائية للبكالوريا، بدعوى إبعاد النقط المغشوشة، أو الزائدة عن اللازم، لا يعالج القضية من أساسها.

أن الإبقاءَ على حصيلة الامتحان الوطني مع نسبة بسيطة من نقط الامتحان الجهوي “فرصة العمر” الوحيدة والأساسية للتلميذ، قد يجعل العديد من التلاميذ، وخاصة الذين يعتمدون على أنفسهم ولا يفكرون في الغش بتاتا طبعا لا تطبعا، يجعلهم يعيشون هواجس متنوعة، ما بين اضطراب نفسي وقلق ذهني حول طبيعة الامتحان ووضوح الأسئلة، وما بين الخوف من سرقة حلمهم من قِبل من يمتهنون الغش بشكل احترافي، وما بين هاجس التصحيح غير العادل للأوراق، ومن ثَم قد تنفلت منهم “فرصة العمر” هذه لأدنى مَزلَق. وليس بغريب عمَّن له علاقة بالمجال، ما لحق متميزين متألقين في المسار الدراسي العادي من كبوات في الامتحان النهائي تبخرت معها كل أحلامهم.

ولذلك فإن اعتماد حصيلة النقط مقياسا لولوج المؤسسات ذات الاستقطاب المحدود أو ما ماثلها من مؤسسات، ليس مقياسا عادلا من الناحية الواقعية، وإن كان مقبولا من حيث الظاهر. ولقد مررتُ شخصيا، مع عدد من زملائي في الجامعة، وفي أكثر من كلية، بتجارب طريفة في الموضوع، حيث كنا نحاول جهد الإمكان ألا تكون النقطة العالية، أو الميزة، المعيار الوحيد لقبول الطالب في سلك الماستر، ومن ثم كنا نسمح بإجراء مباراة القبول ثم المقابلة، لكل من دلَّت أوراق ملفه على جانب من التميز، حتى ولو كانت النقطة العامة لا تراوح التوسط. ولقد كانت النتيجة في العديد من الحالات أن رأينا أصحاب النقط الدنيا من المقبولين يحصدون درجات التميز والتفوق في التخرج، وفي المقابل وجدنا عددا من أصحاب النقط المتميزة يأتون في ذيل القائمة بعد سنتين من التكوين.

ولذلك ليس من الإنصاف أن تحرم شريحة، الله أعلم بعددها، من التقدم إلى مباريات الولوج إلى المؤسسات ذات الاستقطاب المحدود بمجرد مزلق ظرفي في امتحان البكالوريا. صحيح أن الأعداد الهائلة للمترشحين لا تسمح بالوقوف عند مثل هذه الحالات، لكن أقول إن البحث عن حل سيؤدي بالتأكيد إلى إيجاد مخرج مشرِّف لهؤلاء المنزلقين، خاصة إذا أُخذ بعين الاعتبار جانبان:

أولهما: عدم وجود فارق كبير بين نقط البكالوريا ونقط المراقبة المستمرة.

وثانيهما: الدور الكبير الذي يمكن أن تقدمه الخبرة الحاسوبية في هذا الباب.

أ.د. عبد الرحيم الرحموني

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *