مسافات – أهْوَن الشَّرَّيْن


حين أنظرُ في واقع النّاس والحياة، يغمرني كثير من الأسى، وتلّفني بعضٌ من هواجس الداخل المفتون، بما في الدنيا من مغريات، العقل تحرّكَ نحو تمجيد المادة والقلبُ أيضا، حتى غدا معها طعم التلاقي بين البشر والانسجام بين الأناسي بعض من الأحلام التي يتمنى عودتها إلى الحياة، من ما زالت في قلوبهم مباهج القيم. وأمّا مَن انخرطوا في تفاصيل المنفعة المادية والحساب والمحاسبة على أدنى سلوك جميل و بريء بفلسفة هل هذا في مصلحتي؟! فقد ضيّقوا على العلاقات عمقها حتى غدا من الحمق أن تكون طيّبا ومتسامحا وكريما ومحسنا وإنسانا..

ضنك العيش غرّد للبعاد، ومشاغل الحياة والاهتمام الزائد بالأنا صدّاح للتضخم ولا شيء بين هذين التصوّرين غير مزيد من التقوقع والانكماش وانحسار البعد الإنساني. ومن ثمَّ اندثار قضايانا.

يا أالله ما أبشعنا، ونحن في هذا الخضم، نتنكّر للوالدين، ونقاطع الإخوة، ونجفو على الأخوات، ونتمادى في ظلم من وحدهم يتمنّون لنا الخير. وإلاّ أين هي البيوت التي مازلت تستقبل الضيف، وتطبطب على الأم وتحنّ لأخت يناغيها أخوها بعيدا عن وسوسات الأيام، ولِأخٍ يشتغل في تفاصيل الحياة على قوله : وهارون أخي أشدد به أزري.؟!

الإنسان روحٌ تسامت بقيم الرّوح، فإذا غادرتْ داخلَه، انتعشت غابة الظلام وأصبح الشر، شرّين: شرُّ الظلام، وشرُّ من ينتعشون بصناعته.

لعلّي ربطتُ هذا الوجع بالأسرة؛ لأنّها في تصوّري، الأصل في صناعة العلاقات الإنسانية، ومنبعها شخصان:

رجل يستسيغ معاني الخير، فيمُدّ لها جذور الحياة في بيته، بالحكمة والعقل والتّواضع وإكرام الوالدين واحترام الأهل. أو يفنيها بالبخل والتهوّر واللامبالاة وتضخم الأنا وقلة التقدير.

أو امرأة، تفعّل هذه القيم الإيجابية إن شاءت برحمتها وحسّها المرهف، أو تحرقها بوساوسها وأنانيتها وحرصها الكبير على أمورها وفقط، بعيدا عن معاني الحياة الملفوفة بحسّ الجماعة وكل ما يجمّل الودّ، ويجعله أنس أبنائها، وثروتهم كي يمدّوا لها بعض هذا الودّ في زمن الحاجة، ويزرعونه في الأهل. فيمتدّ بالثقافة البانية عمقا يلقي بظِلاله بعدها على كل شيء، على الفرد والمجتمع والوطن والإنسان في عالمه الكبير.

ما أسعدنا بخير نزرعه وتثمِّنُه صيغة لله، وما أشقانا بشرّ نصنعُه، ونبكي من وجعهِ إن غدرتْ بنا الأيام، وذُقْنا من مرارة الجفاء، ما يجعل شريط العمر يتوقف، في النقطة التي بدأنا بها، التّعبيد للشر بالجفوة في طريق العلاقات الإنسانية، باسم الخصوصية والاستقلال، ولامبالاتنا بالآخر، ولو كان أبا أو أما، نحن بتلك البداية كنا نؤسّس لجيل القطيعة مع الخير في غياب نور البصيرة، ونتفنّنُ في التّباهي بالقبح دون أن نحسب لعثرات الزّمن وتقلباته، حتى إذا عشناها لعنّا الأجيال التي تحمل الأخلاق التي صنعناها نحن ذات حمق. وقِسْ على هذا كثيرا من المآسي التي تصنعها غرف البيت المظلم بالجهل وعدم تقدير العواقب،

فالفرح ليس هو تلك اللحظة التي تعيشها وأنت منتش بظلم وقطيعة، وتفلسف للموقف بقولك يكفيني من أمرهم السؤال؛ لأن القطيعة مع الأهل شرّ، والسؤال بلا روح هو شرّ أيضا، ولكن يبقى في عرف العلاقات أهون الشرّيْن. إنّما الفرح هو أن تحس أنّ في داخلك الإنسان وتشتغل على أن تكبر فيه كل معاني الإحسان، فمن هذه المعاني انطلقت فلسفة التوحيد.

دة. ليلى لعوير

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *