“مثل البعث والنشور”


الآية الكريمة التي سننطلق منها لدراسة هذا المثل القرآني هي قول الله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ نُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون(الأعراف: 57)، لكننا إذا رمنا استقصاء الآيات التي لها دلالات مشابهة في حديثها عن قضية البعث والنشور، والإحياء بعد الإماتة، وتعتبر تمثيلا لهذه القضية نجدها أكثر من أن تحصى، فلنكتف بذكر ما هو أقرب وأشبه للآية التي انطلقنا منها حتى في التركيب اللفظي والصياغة التعبيرية وأركان التمثيل؛ -الممثل، والممثل به، ووجه التمثيل- وهو أيضا ليس باليسير؛ من ذلك قول الله جل جلاه في سورة (ق): وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ(ق: 9-11) وقوله سبحانه: وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ(الزخرف: 11)، وقوله جل من قائل: وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ(فاطر: 9)، وقوله جل جلاله: وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ(الروم: 19)، وقول الله جل جلاه: فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير(الروم: 50)، وقوله جل وعلا: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير(فصلت: 39).

استثارة العقل أسلوب القرآن الكريم في إثبات البعث والنشور:

ظاهر أن الآيات الكريمات تتحدث في مجموعها عن البعث والنشور، بأسلوب عقلي يستثير الفكر ويخاطب العقل بالدليل والبرهان، ذلك بأن القضية المعروضة من الأمور التي تستغربها عقول وتستبعدها أفهام من وجه إليهم الخطاب، ومن لف لفهم من منكري البعث والحشر -قديما وحديثا- وما يستتبع ذلك من حساب وعقاب وجنة أو نار.

ولتقريب ذلك وتوضيح كيفية حدوثه يضرب الله أمثلة من الواقع المعيش والوجود المشاهد؛ حتى يتمكن العقل من عقد المقارنات وقياس الكبير على الصغير وإلحاق الغائب بالشاهد… ومن ثم الوصول إلى الاعتقاد الراسخ بقدرة الله جل جلاله على إعادة الخلق وإنشائه كما أنشأه أول مرة.

وبالنظر إلى المضامين التي تتضمنها الآيات الكريمة، نجد أن الله سبحانه وتعالى ضمن هذه الآيات الحديث عن السحاب الذي يتراكم، ويساق بأمر الله ، فينزل المطر على الأرض اليابسة، فتهتز وتربو وتنبت من كل زوج بهيج… وفى جميع الآيات يعقب الله تعالى بأن الإنسان سيعاد إحياءُه يوم البعث بنفس الطريقة التي أحييت بها الأرض وأخرج بها النبات، حيث أكد  ذلك بقوله: كَذَلِكَ الْخُرُوجُ، وبقوله: إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير، وبقوله: ﴿كذلك يحي الله الموتى﴾، وبقوله: ﴿كَذَلِكَ تُخْرَجُون، وبقوله: كَذَلِكَ النُّشُور. وفي أغلبها كاف التشبيه مما يعتبر دعوة من الله  للمنكرين في كل عصر ومصر، ولنا نحن المسلمون ولغيرنا من أبناء الأديان والنحل الأخرى أن نسلم بعظمة دين الإسلام وروعة هذه الشريعة التي تكرم العقل وتحاوره وتناقشه وتدعوه إلى استعمال الفكر وعقد المقارنات، والنظر في عدد من القضايا ذات الأوجه المتشابهة أو المختلفة، ومنها كيفية إنبات النبات في الأرض الجدباء المتشققة الخاشعة المتصدعة، وذلك بعد نزول المطر عليها، حيث تخضر فتصير حدائق غناء تؤتي أكلها بإذن ربها، فتنمو فيها كل أنواع الثمار فتخضر بعد يبس، وتزهر بعد جدب، وتحيى فيها موات فتتحرك بعد سكون، وتنتعش معها كائنات وتخلق أخرى، وهذا مما هو مشاهَد ومحسوس ويتكرر أمام أنظار الناس -مؤمنهم وكافرهم-؛ بحيث لا يملك أن يجادل فيه أحد. فإذا سلمنا به واتفقنا عليه علمنا أن خروجنا من قبورنا يوم القيامة وإعادتنا للحياة مرة أخرى لن يكون أبعد ولا أصعب من ذلك، بل إنه لكذلك وبهذه البساطة واليسر بالنسبة لقدرة الله تعالى. قال الله سبحانه وتعالى: فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

ولنستجليَ ذلك أكثر دعونا نتأمل هذه الآيات الكريمة التي في خاتمة سورة يس والتي تواجه كل معاند وتحاج كل جاحد، وتأخذ بعقل كل مرتاب إلى الحقائق المطلقة والنتائج الثابتة التي لا تقبل الجدال قال تعالى: أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ   وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ  قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ  الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ  أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ   إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ  فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ، فهل يبقى بعد هذا البيان وهذا التوضيح من شائبة للشك أو الريب في هذه القضية وفي قدرة الله تعالى وعظمته عموما، لا وربي إلا من قلوب غلف عليه أكنة ومن أبصار عمي عليها غشاوة.

البعث والنشور بين جحود المنكرين وغفلة المسلمين:

لقد قص الله تعالى علينا كثيرا من مقولات المنكرين للبعث والنشور وشبههم فقال: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ(النحل: 38 – 40).

وقال: وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا(الإسراء: 49)، فردَّ الله عليهم بقوله: قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ(الإسراء: 50-51). إلى غير ذلك من الآيات.

وأريد أن أشير في هذه النقطة أن هؤلاء المنكرون -قديما وحديثا- لما أنكروا البعث ولم يعملوا لما بعده -بغض النظر عن بطلان اعتقادهم هذا- كانوا أوفياء لمبادئهم ومعتقداتهم فلم يعارضوها ولم يناقضوها، وهم منطقيون مع أنفسهم وصريحون معها. ألا إنهم في غاية المنطقية والصراحة بما أنهم لا يؤمنون بحياة بعد الموت ولا يستعدون لها فلا لوم عليهم من الناحية المبدئية.

لكن الذي يقع عليه اللوم ويؤاخذ من قبل العباد ورب العباد؛ هم المسلمون المؤمنون الذي يرددون (وأشهد أن الذي جاء به محمد حق وأن النار حق وأن الصراط حق وأن الميزان حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور). دون أن نرى أثرا لهذه الشهادة وهذا الإيمان في حياتهم عبادة وسلوكا.

وإنها لمفارقة عجيبة وغريبة أن يكون هناك انفصال بين المعتقد والسلوك، وتناقض بين الإيمان والعمل.

ولعمري لو كان الناس يؤمنون بالبعث والنشور وما يستتبعه من حساب وجزاء وعقاب أو ثواب؛ إيمانهم بالقوانين والمساطر التي تنظم حياتهم، والتي إن خالفوها لقوا جزاءهم في الدنيا عاجلا؛ لكان حالهم شيئا آخر، ولكان لإيمانهم أثر في سلوكهم ولانعكس ذلك على تصرفاتهم وأفعالهم وسيرهم إلى ربهم، لكن للأسف إيمان من هذا شأنه إيمان نظري تصوري، إيمان جامد محنط لا أثر له ولا ينتج عملا في الواقع المشهود.

فالإيمان بالآخرة (ليس كلاما يتلى فقط؛ بقدر ما هو عقيدة تعتقد، وبقدر ما هو إحساس وشعور يرافق المؤمن ويعيشه في قلبه ووجدانه[..]، يعني إلى أي حد أنت تشعر بأن الله يرقبك ويراقبك، [..] وأنت تمارس حياتك [مع شعورك] بأنك ستبعث أنت وتحاسب على هذا الفعل بالذات الذي تقوم به الآن)(1). هذا الشعور هو الذي يكون له أثر في السلوك وهو الذي يوجه العمل الوجهة الصحيحة، لكن لما غياب -هذا الشعور- أثناء عمل كثير من المسلمين ناقضت أعمالهم إيمانهم واعتقادهم، فكانت النتيجة مخالَفَة ما أمر الله تعالى به ونهى عنه.

نسأل الله السلامة والهداية إلى سبيل الرشاد.

د. خالد العمراني

—————–

1 – من درس بعنوان: (ورد الآخرة) ضمن سلسلة بصائر القرآن؛ للدكتور فريد الأنصاري رحمه الله تعالى.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *