قبسات من السيرة النبوية


عاش الرسول محمد ، من بعثته إلى انتقاله إلى الرفيق الأعلى، ثلاثا وعشرين سنة، من هذه الفترة القصيرة، مكث  ثلاث عشرة سنة في مكة يعمل على هداية قوم قرروا منذ البداية ألا يدخلوا في الإسلام، لأنهم كانوا أبعد ما يكونون عن إدراك شيء يسمى رسالة إلهية، أو ديانة سماوية، كان تفكيرهم قبلي، وكانت الدنيا عندهم هي مراكزهم الاجتماعية، ومكاسبهم المالية، فهذا أبو جهل عاش ومات وهو يعتقد أن مسألة النبوة هذه حيلة ابتدعها بنو هاشم، وبنو عبد المطلب لكي يستعيدوا عن طريقها رياستهم التي فقدوها بعد وفاة عبد المطلب، وصارت إلى مجموعة استطاعت السيطرة على أمور مكة تماما بأموالهم التي جمعوها بالغصب وغش الناس، واستغلال حاجة المحتاج وأكل أموال التجار الذين كانوا يترددون على مكة.

إن رفض زعماء قريش للإسلام كان عنادا ضد الحق، فقد كانوا سادة المجتمع الجاهلي يتحكمون فيه، ويتمتعون بخيراته، والدعوة المحمدية كانت عكس ذلك تنادي بتغيير هذا المجتمع كله، وإقامة نظام جديد مكانه، وقد اختلفت مواقف خصوم الدعوة الإسلامية بحسب المصلحة والعواطف، ولكنهم اتفقوا على رفضها رفضا تاما، لا تفكير فيه ولا تدبر، وهؤلاء الخصوم أقاموا حول محمد  سورا من الحقد والحسد والكراهية، وحاربوا الدعوة واتباعها بكل الوسائل المادية والمعنوية وانتهوا بعد عشر سنوات من العناد إلى إيقاف انتشارها في مكة، وكان ذلك قبل خروج الرسول  إلى الطائف، ولكن موقف الثبات الذي وقفه الرسول ، رغم العقبات التي كانت في طريقه ورغم المضايقات التي كانت حوله وحول أصحابه، لم يتسرب إلى نفسه أدنى يأس أو تنازل، وتلك هي العبرة الكبرى التي نخرج بها من الفترة المكية.

إن حياة محمد  إلى جانب جمالها وجلالها، كانت في نفس الوقت رمزا وعظة وعبرة للمسلمين طوال تاريخهم لو أنهم تدبروها، ولقد كان الله تعالى قادرا على أن ينصر الدعوة نصرا مؤزرا في الأيام الأولى لنزول الوحي، ليومن أهل مكة وما حولها جميعا، ولكن الله جلت حكمته عهد بالرسالة إلى محمد  وتركه يخوض معركته مع الناس لكي يتعلم الجميع كيف يخوضون معاركهم، وكيف يثبتون على مبادئهم، وكيف يعاملون الخصوم بالصبر والأناة والحلم وحسن الخلق والحجة البالغة، وكيف يواجهون العقبات بقوة العزيمة وعمق الإيمان وثبات القلوب، وفي تقدير الله تعالى أن أمة الإسلام ستعرضها في مستقبل تاريخها بعد محمد  عقبات مشابهة لما واجه الرسول  وستجد نفسها في نفس المواقف، وأن السيرة النبوية ينبغي أن تكون لذلك خير مرجع لهم للنصر والخروج من الأزمات.

إذا نظرنا في أحوال العرب والمسلمين -اليوم- وما يواجههم من ظروف قاسية، وحاولنا البحث للعرب والمسلمين عن طريق يفضي بهم إلى الاتحاد والسلامة في هذه الظروف، فإننا سنجد هذا الحل قطعا في سيرة الرسول ، فلا بد من قراءة السيرة النبوية في مصادرها الأولى الحقيقية لنعرف شخصية محمد  من جديد معرفة كاملة، ونفهم سيرته فهما جديدا،، ونعيها تمام الوعي، لقد تعود المؤرخون القدامى والوعاظ الجدد أن يسردوا سيرة رسول الله  سردا دون بيان المعنى والمغزى الذي يستتر وراء كل حلقة من حلقاتها، فحلقاتها عظات ودروس وعبر ومنهج، وإذا قرأها الإنسان دون أن ينتبه إلى ذلك فاتته حكمة السيرة كلها.

لنأخذ مثلا عمود النسب النبوي، لقد حفظناه ونحن صغار، وردده كتاب السيرة مرة بعد مرة، ولكن هل وعينا موضع العبرة فيه؟ هناك أربعة أسماء لها أثرها الكبير في تكوين شخصية محمد  وتهيئة الظروف المناسبة في مكة عند ظهور الإسلام، والله تعالى يعلم أن محمدا بن عبد الله سيبعث رسولا في مكة لهداية البشر، وهؤلاء الأربعة كلهم كانت لهم مكانة متميزة وسط مجتمعهم، فقصي بن كلاب رجل الدولة والسياسة والحرب، الذي تزعم قريشا وجمعها وقادها لتصبح خادمة البيت الحرام. وعبد مناف بن قصي كان رجل حكمة وتدبير، وهو الذي عقد الأحلاف بين قريش والقبائل المجاورة لمكة.

وهاشم بن عبد مناف كان رجل أعمال وتاجرا موهوبا وضع الأساس للقوة التجارية التي وصلت إليها مكة، وهو الذي عقد ( الإيلاف) مع القبائل النازلة على طريق التجارة إلى الشام واليمن، لتأمين رحلة الشتاء والصيف.

وعبد المطلب بن هاشم وهو جد الرسول  كان رجل دين وعقيدة، وهو الذي نظم مراسم الحج عند الجاهليين، وتولى السقاية والرفادة، وأصبحت قريش أقوى قبائل جزيرة العرب وأغناها وأوفرها علما بالدنيا والناس.

وفي هذه الأجواء ولد محمد  في بلدة عامرة بالنشاط والثروة، أخذه جده عبد المطلب وسار حتى دخل به الكعبة وسماه محمدا، ولد  في بيئتة غنية متسعة الأفق، ولكن جرت عادة بعض المحدثين أن يبالغوا في تصويرسوء الظروف المادية التي أحاطت بمحمد  في طفولته وصباه فصوروه فقيرا محتاجا، وما كان محمد  في يوم من أيامه فقيرا محتاجا، وإنما نعتمد في تصويرأحواله  في طفولته وصباه وشبابه ما قاله الله عز وجل في سورة الضحى المكية مخاطبا رسوله الكريم﴿ ألم يجدك يتيما فآوى، ووجدك ضالا فهدى ووجدك عائلا فأغنى(الضحى: 6-8). أي أنه كان يتيما فآواه جده ثم عمه، ووجده ضالا فهداه وحماه من الضلال والمنكرات وأعده للرسالة العظيمة، ووجده عائلا فأغناه بالتجارة.

كان رسول الله  في شبابه قبل زواجه من السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، يرعى الغنم بأجرة لأهل مكة، وتاجرا ناجحا ميسور الحال، ولهذا عهدت إليه خديجة في تولي تجارتها، فزاد في هذه التجارة على طريقة كبار التجار.

ذ. أحمد حسني

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *