رمضان والقرآن الكريم سبيل الخير كله


حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: “كَانَ النَّبِيُّ  أَجْوَدَ النَّاسِ بِالخَيْرِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ جِبْرِيلُ  يَلْقَاهُ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي رَمَضَانَ، حَتَّى يَنْسَلِخَ، يَعْرِضُ عَلَيْهِ النَّبِيُّ  القُرْآنَ، فَإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ ، كَانَ أَجْوَدَ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ“(رواه البخاري ومسلم).

توطئة للحديث: 

اقترن اسم رمضان بالقرآن الكريم، ففي هذا الشهر أنزل الحق سبحانه وتعالى القرآن الكريم جملة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا، وكان ذلك في ليلة القدر، قال تعالى: إنا أنزلناه في ليلة القدر وقوله تعالى: إنا أنزلنا في ليلة مباركة.

قال ابن عباس: أنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا ليلة القدر ثم أنزل بعد ذلك في عشرين سنة (رواه النسائي و الحاكم)، وقال ابن جرير: نزل القرآن من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا في ليلة القدر من شهر رمضان ثم أنزل إلى محمد  على ما أراد الله إنزاله إليه.

وفي هذا الشهر نزلت أول سورة على رسول الله  وهو في غار حراء قال تعالى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَم(العلق: 1-5).

فتجدد اللقاء بين السماء والأرض مرة أخرى بعد أن أصاب البشرية انحراف وزيغ عن الصراط المستقيم، وحضور جبريل  خلال هذه العمليات (الإنزال والتنزيل) واضح جلي، فالمهمة التي انتدبه الله تعالى لها ليست بالهينة: أمين على الوحي من السماء إلى الأرض.

ولهذا فلا غرابة أن يعرض الرسول  القرآن الكريم كل ليلة من رمضان منذ فرض الصيام إلى وفاته  كما جاء عن ابن عباس في الحديث.

وأي نعمة أعظم من نعمة نزول القرآن؟ نعمة لا يسعها حمد البشر فحمد الله نفسه على هذه النعمة قال تعالى: الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا (الكهف: 1).

ومن يومئذ ارتبط القرآن بشهر الصيام قال تعالى: شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس و بينات من الهدى و الفرقان(البقرة: 184).

وقد نتساءل عن هذا الاقتران؛ هل هو من قبيل الصدفة أم أن في الأمر حكمة وغاية ومقصد؟

ففصل الصيام عن القرآن يحقق فوائد صحية للجسم، وهو حال كثير منا في رمضان: فتخليص الجسم من السموم يكون بالصيام، وتخفيف الوزن أو السمنة يكون بالصيام، إلى غيرها من الفوائد التي ينصح بها حتى غير المسلمين مرضاهم للشفاء.

لكن اقتران الصيام بالقرآن الكريم يحقق بالإضافة للفوائد الصحية فوائد اجتماعية وتربوية ونفسية، والحديث الشريف يعالج مجالا من هذه المجالات: مجال الفوائد الاجتماعية: من تكافل وتآزر وتلاحم….

فقد أوضح الحديث الكريم بشكل جلي اقتران الصيام بالقرآن الكريم: ترسيخ وغرس خلق البدل والجود والسخاء، بمعنى آخر تطهير للنفس من أخلاق ذميمة تعوق نماء الإيمان وتطوره في كيان الأفراد والجماعات، وذلك هو الشح والبخل وعدم الإنفاق في سبيل الله بمعناه الواسع: في المال والوقت والذات..

فهذا رسول الله، ، كان أجود الناس ولكنه في رمضان ومع القرآن وبصحبة جبريل  يزداد إيمانا فينعكس ذلك على سلوكه بازدياد العطاء والبذل والجود.

وقد نتساءل مرة أخرى لماذا هذا الحرص من جبريل ، بأمر من الله تعالى، على أن يراجع ويعارض الرسول  القرآن الكريم كل سنة؟ ولماذا بالليل؟

هذا ما سنحاول التعرف عليه من خلال شرح الحديث:

معنى الحديث:

1 – سخاء الرسول :

فقول ابن عباس، : “كَانَ النَّبِيُّ َ أَجْوَدَ النَّاسِ بِالخَيْرِ”.

جاءت الصفة بصيغة المبالغة لما تبت عنه  من كرم وجود، فكان  يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، والوقائع على هذا السخاء من السيرة كثيرة، وهي تشهد على جوده وكرمه ، من ذلك:

ما روته السيدة خديجة -رضي الله عنها- تصف كرم رسول الله،  بقولها: “إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتُكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ”. فهذه الأخلاق كلها ناشئة عن بالغ الكرم وعظيم الجود؛ إذ هي كلها تعني البذل والعطاء.

عن أنس  قال: “مَا سُئِلَ رَسُولُ اللَّه ، في الإِسْلاَمِ شَيْئًا إِلاَّ أَعْطَاهُ. قَالَ: فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَأَعْطَاهُ غَنَمًا بَيْنَ جَبَلَيْنِ، فَرَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ، فَقَالَ: يَا قَوْمِ، أَسْلِمُوا؛ فَإِنَّ مُحَمَّدًا يُعْطِي عَطَاءً لاَ يَخْشَى الْفَاقَةَ”(مسلم: كتاب الفضائل).

والرسول، ، تربى على عين الله تعالى، فطبيعي أن يتحلى بهذه السجية وهذا الخلق، لكن أن يزداد هذا الخير بالقرآن الكريم والصيام فمعناه أن لهذا الاقتران دور في الزيادة.

2 – أثر الصيام والقرآن في الإكثار من الخير:

وقوله ” وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ”.

لقاء جبريل  معناه لقاء الوحي، ولقاء القرآن، بالإقبال عليه قراءة وتدبرا.

وأن تتعرض للوحي وأنت محلل من كل الشهوات معناه: أن تسمح للروح التي تسكن الجسد، أن تسمو دون أثقال تشدها إلى الأرض، فتلتقي بروح القرآن فيحصل بهذا التزاوج بعث حياة جديدة في الجسد تغير نظرته للأشياء فيصغر في ميزانه كل دنيوي ويسمو ويكبر حجم كل أخروي.

وعن الأثر الذي يحدثه القرآن في الأفراد يقول الدكتور الشاهد البوشيخي في كتابه: القرآن روح الأمة الإسلامية: (هذا الكتاب عُبِّر عنه بـ”الرُّوح” إشارة إلى هذه الوظيفة التي يقوم بها في الإنسان. فالإنسان قبل أن يَسرِيَ ماء القرآن في عروقه وكِيانه، يكون مَيتًا بصريح القرآن: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا(الأنعام: 122).

أمَّا عندما يخالط هذا القرآنُ قلبَه، ويَسري منه كما يَسري الدَّمُ في مجموع الكِيان، فإنه يصير -فعلاً- شيئًا آخَر من حيث طاقاته وتصوُّراته وأفكاره وقدراته وإمكاناته ومُنجَزاته… لأنه بالقرآن يهتدي إلى ربه ويعرف مولاه سبحانه وتعالى، فيتوكل عليه حق التوكُّل ويستمدُّ منه كل شيء. فمن اسمه “القويّ” يستمدّ القوّة، ومن اسمه “العليم” يستمدّ العلم، ومن اسمه “الحكيم” يستمدّ الحكمة، ومن اسمه “الرحمــن” “الرحيم” يستمدّ الرحمة… يُفِيضُ الله عليه -بفضله ورحمته- من أنوار أسمائه سبحانه وتعالى، فيَشيع في كِيانه ما يَشيع، ويَصير طاقة غير عاديَّة إذا قُورِنَ بما كان عليه قبلُ).

هذا المدد هو الذي يؤثر في الأفراد فيصبح البدل والعطاء والإنفاق خلق وشجية تصاحب العبد،

وقوله : “وَكَانَ جِبْرِيلُ  يَلْقَاهُ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي رَمَضَانَ، حَتَّى يَنْسَلِخَ، يَعْرِضُ عَلَيْهِ النَّبِيُّ  القُرْآنَ، فَإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ ، كَانَ أَجْوَدَ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ”.

قال الإمام ابن رجب: “دل الحديث على استحباب دراسة القرآن في رمضان والاجتماع على ذلك، وعرض القرآن على من هو أحفظ له… وفيه دليل على استحباب الإكثار من تلاوة القرآن في شهر رمضان، وفي حديث فاطمة عليها السلام عن أبيها أنه أخبرها أن جبريل  كان يعارضه القرآن كل عام مرة وأنه عارضه في عام وفاته مرتين” (رواه البخاري و مسلم).

قال رحمه الله: و في حديث ابن عباس أن المدارسة بينه وبين جبريل كانت ليلا يدل على استحباب الإكثار من التلاوة في رمضان ليلا فإن الليل تنقطع فيه الشواغل ويجتمع فيه الهم، ويتواطأ فيه القلب واللسان على التدبر كما قال تعـالى: إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأقوم قيلا(لطائف المعارف).

وقد كان للسلف رحمهم الله اجتهاد عجيب في قراءة القرآن في رمضان بل لم يكونوا يشتغلون فيه بغيره.

كان الزهري إذا دخل رمضان يقول: إنما هو قراءة القرآن وإطعام الطعام.

قال ابن الحكم: كان مالك إذا دخل رمضان يفر من قراءة الحديث ومجالسة أهل العلم.

قال عبد الرزاق: كان سفيان الثوري إذا دخل رمضان ترك جميع العبادة وأقبل على قراءة القرآن.

ففي رمضان يجتمع الصوم و القرآن، فتدرك المؤمن الصادق شفاعتان، يشفع له القرآن لقيامه، ويشفع له الصيام لصيامه، قال : “الصيام و القرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه، و يقول القرآن: رب منعته النوم بالليل فشفعني فيه فيشفعان” (الإمام أحمد). وعند ابن ماجه عن ابن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله : «يجيء القرآن يوم القيامة كالرجل الشاحب يقول: أنا الذي أسهرت ليلك وأظمأت نهارك».

ومن صور اختصاص شهر رمضان بالقرآن الكريم صلاة التراويح، فهذه الصلاة أكثر ما فيها قراءة القرآن، وكأنها شرعت ليسمع الناس كتاب الله مجودا مرتلا، ولذلك استحب للإمام أن يختم فيها ختمة كاملة.

وقد كان النبي  يطيل القراءة في قيام رمضان بالليل أكثر من غيره، ومما يؤيد ذلك ما رواه الإمام أحمد عن حذيفة قال: “أتيت النبي  في ليلة من رمضان فقام يصلي فلما كبر قال الله أكبر ذو الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة ثم قرأ البقرة ثم النساء ثم آل عمران لا يمر بآية تخويف إلا وقف عندها ثم ركع يقول سبحان ربي العظيم مثل ما كان قائما ثم رفع رأسه فقال: سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد مثل ما كان قائما، ثم سجد يقول سبحان ربي الأعلى مثل ما كان قائما، ثم رفع رأسه فقال رب اغفر لي مثل ما كان قائما، ثم سجد يقول سبحان ربي الأعلى مثل ما كان قائما، ثم رفع رأسه فقام، فما صلى إلا ركعتين حتى جاء بلال فآذنه بالصلاة” (مسند الإمام أحمد).

وكان عمر قد أمر أبي بن كعب و تميما الداري أن يقوما بالناس في شهر رمضان فكان القارئ يقرأ بالمائتين في ركعة حتى كانوا يعتمدون على العصي من طول القيام وما كانوا ينصرفون إلا عند الفجر، و في رواية أنهم كانوا يربطون الحبال بين السواري ثم يتعلقون بها (لطائف المعارف).

وكان بعض السلف يختم في قيام رمضان في كل ثلاث ليال وبعضهم في كل سبع منهم قتادة، وبعضهم في كل عشرة منهم أبو رجاء العطاردي (لطائف المعارف). كل هذا التطويل والقيام من أجل تلاوة القرآن وتعطير ليالي شهر القرآن بآيات القرآن.

وإذا كان هذا حال السلف مع القرآن الكريم في رمضان فالأجدر بنا أن نقتفي أثرهم ونجتهد لبلوغ منازلهم، بدوام النظر فيه، وتدبر آياته، و يمكن أن نقترح لذلك الخطوات الآتية بحسب الاستطاعة والقدرة مع المجاهدة، فإن الله تعالى لا يمل حتى نمل:

الخطوة الأولى: الإكثار من التلاوة وتكرار الختمات، فيجعل كل واحد منا برنامجا لنفسه، بحيث يتمكن من ختم القرآن مرات عديدة ينال خيراتها وينعم ببركاتها.

الخطوة الثانية: التأمل و التدبر، تخصيص حصص لتدبر القرآن الكريم، الأفضل أن تكون عند انتظار آذان المغرب: لمقاطع أو السور بحسب الوقت والقدرة على التأمل والتدبر، ولو آيات.

الخطوة الثالثة: الحفظ والمراجعة، مراجعة المحفوظ، وحفظ سور جديدة.

الخطوة الرابعة: تخصيص ركعات للقيام بالمحفوظ في البيت مع الأسرة أو فرديا

الخطوة الخامسة: الإنفاق في سبيل الله تعالى، بكل أشكاله: تفطير صائم، ولو بتمرات تصاحبك لمسجد تبادر بها لإفطار صائمين. قضاء حوائج الناس…

ذ. محمد بوزين

 

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *