افتتاحية – مدار صلاح الأمة وخيريتها على كلمة التوحيد وتوحيد الكلمة


أكرم الله تعالى الأمة المسلمة بنعمة الإسلام فقال تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا(المائدة: 3)، وأناط الخير كله بالاجتماع على إقامة كلمة التوحيد وتوحيد الكلمة، جلبا للخير كله ودفعا للشر كله وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ(الأعراف: 96-99) ، ولذلك فقد جعل أهل العلم مدار الخير في الدارين على إقامة الدين وحفظ روح الجماعة فقال أحدهم: “إن قيام الدين على ركنين هما: كلمة التوحيد، وتوحيد الكلمة، ولا يستقيم أمر المسلمين في الدين والدنيا إلا بهما”.

فكلمة التوحيد هي “لا إله إلا الله محمد رسول الله” وهي التي أمرت الأمة بالاجتماع عليها وعدم التفرق فيها وفي مقتضياتها؛ وهي مفتاح الدخول في رحاب طاعة الله تعالى واختيار العيش في ظلال هديه ورحمته، ولا يرى لها أثر إلا بإقامتها والاستقامة عليها، والوفاء بمقتضياتها التي بها يصان الدين وبها تتحقق عبودية الناس لرب العالمين رضا واختيارا لا جبرا واضطرارا، وبها يحصل السلم والأمن الذي عليه المدار في الاستقرار والازدهار قال تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰلَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ(النور: 55-56)، فبكلمة التوحيد صار للأمة كينونة ووجود، وبها دخلت التاريخ وترقت في مدارج الحضارة، وبها صنع الآباء والأجداد كل المفاخر والأمجاد التي لا يسع الأبناء والأحفاد إلا الاعتزاز بها ليكونوا شامة بين العباد ونباتا طيبا في كل بلاد.

أما توحيد الكلمة فهي عنوان القوة وسر العزة والمناعة، ولا ينتفع الناس برحمات كلمة التوحيد إلا يوم يجتمعون على توحيد الكلمة، ولا يكون ذلك إلا بأمور على رأسها:

– توحيد الغذاء الروحي وتوحيد مصادر التلقي: ولا يكون ذلك إلا حينما تتغذى الروح من الوحي ويهتدي الفكر بالهدى المنهاجي للوحي تفكيرا وتعبيرا وتدبيرا، تنظيرا وتنزيلا، تصورا وتصرفا، فيوم يتوحد الغذاء لدى أبناء الأمة جميعهم تتوحد كلمتهم وتتقارب فهومهم ويستقيم سلوكهم ويبصرون الحق ويستقيمون عليه ويدركون الباطل ويتعاونون على دفعه، وإن بلاء التفرق المذموم والتعصب المحموم ما فتك بالأمة إلا يوم اختلفت مصادر التلقي فيها وتنوعت مرجعيات غذاء بَنِيها..

– جعل التربية على أصول الأمة وثوابت هويتها التاريخية والحضارية الأولوية التي لا يتقدم عليها شيء؛ فليس أنجع في حفظ كلمة التوحيد ولا أقوى في تحصيل توحيد الكلمة من تربية الأجيال على أصول دينها ومبادئ هويتها وفِقْهِهَا فقها رشيدا والتصرف وَفْقَها تصرفا سديدا واستمداد الهدى لحل ما أشكل على ذوي الحِجى.

– إقامة العمران على أسس الحق والعدل والكرامة وإشاعة أخلاق التراحم والتعاون والتضامن الكفيلة بإشاعة روح الثقة والتعاون والتوادد والتآلف ودفع كل ما يوغر الصدور ويوسع هوة التخالف. فليس شيء أحفظ للأخوة من العدل والمحبة وصون الكرامة، وليس أجلب للتنافر والشقاق من البغي والظلم، وإن النفوس إذا لم تتغذ بالعدل والكرامة وتتهذب بالتوادد والتحابب فإن داء العداوة والانتقام يقطع أوصالها ويفتك برجالها، ويفرق كلمتها ويهدم بيتها.

– رد المختلف فيه إلى كتاب الله وسنة رسوله وأولي الأمر في الأمة: رغم ما يمكن أن يبذل من جهد في غرس كلمة التوحيد، والاجتهاد في توحيد الكلمة فإن النفوس بحكم بشريتها قد تصيبها رياح الأهواء وتغشاها غيوم الكبرياء فتُؤْثِر التفرق والاختلاف على الوحدة والائتلاف، ويصير كل حزب بما لديهم فرحون؛ آنذاك لا سبيل إلى جمع الناس على كلمة سواء إلا بالعودة إلى كتاب الله تعالى وهدي الرسول  والاهتداء بتوجيهاتهما في حل ما اختلف فيه قال تعالى: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ(آل عمران: 103)، وقال جل وعلا: فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً(سورة النساء: 59)، وإن الرد إلى كتاب الله وسنة رسوله  لا يكون إلا من أهله من أولي الأمر من الأمراء والعلماء الربانيين الراسخين في العلم، قال تعالى: وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ(النساء: 83). كما أن هذا الرد لا يؤتي أكله النافع إلا يوم تتشبع النفوس بحب الإيمان والرضا بحكم الله تعالى وحب النزول عنده وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ(الأحزاب: 36).

وإن أمتنا لتملك -بحمد الله تعالى- رصيدا دينيا غنيا وتجربة تاريخية وحضارية فريدة في بناء الذات ورص صف الأمة على كلمة التوحيد وتوحيد الكلمة اهتداء بقواعد الشريعة ومقاصدها الحكيمة الملائمة للفطرة والطبيعة السليمة. وإن الأمة في جميع بلدانها وأقطارها لمدعوة عاجلا غير آجل إلى جمع أبنائها على أصول الدين وميراث خاتم الأنبياء والمرسلين وإقامة الدين والعمران على ما يرفع الأمة إلى الخيرية المنشودة كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ(آل عمران: 110)..

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *