افتتاحية – “إِنَّمَا الْمُومِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ”


إنها آية تقرر سنة من سنن الله تعالى في هذه الأمة وفي شروط قوتها ووحدتها، كما تقرر قواعد الاجتماع في الأمة وقواعد علاج ما يخرق هذا الأصل ويخرمه، وما يهدده ويهدمه، ومن جملة ما يمكن أن نستفيده من هذه الآية ما يلي:

أولا: أن الرابطة التي تجمع المؤمنين هي رابطة الأخوة الإيمانية، وهي الرابطة التي تلحم أعضاء الجسم المسلم وتشد بعضها إلى بعض؛ لأن «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا» (متفق عليه)، ولأن «مَثَلُ المؤمنين في تَوَادِّهم وتراحُمهم وتعاطُفهم: مثلُ الجسد، إِذا اشتكى منه عضو: تَدَاعَى له سائرُ الجسد بالسَّهَرِ والحُمِّى» (متفق عليه). فمتى وأينما وجد المؤمن فهو أخ للمؤمن.

وإني أكاد أجزم بأن الأمة المسلمة -التي عمرت زمانا أكثر من أربعة عشر قرنا، وامتدت مكانا في القارات الخمس- أمة لا تربط بينها رابطة الإيمان فحسب، وإنما أيضا رابطة النسب فقد تزاوج المسلمون فيما بينهم وتمازجوا وتصاهروا إلى درجة لا يكاد يوجد فرد إلا وله صلة قرابة مع كافة المسلمين، ولا توجد أسرة إلا ولها مع الأسرة الأخرى رابطة نسب ورحم قريبة أو بعيدة، مباشرة أو غير مباشرة ولو تناءت البلدان وتباينت الأبدان وتباعدت الألوان، أو اختلفت الأسر واندرست الأواصر، فصارت الأمة بهاتين الآصرتين أقوى الأمم ارتباطا وأقرب نسبا ورحما.

ثانيا: أن من مقتضيات رابطة الأخوة الإيمانية التواصل والتراحم، والتناصر والتلاحم، وليس التنازع والتخاصم، أو التدابر والتظالم، ولذلك فقد حث الإسلام المسلمين على كل ما يقوي لحمة الإيمان والأخوة فقال رسول الله : «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه»، وقال  ناهيا عن كل ما يفضي إلى نقض عرى الأخوة: «لا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تجسسوا ولا تحسسوا ولا تناجشوا وكونوا عباد الله إخوانا» (رواه مسلم من حديث أبي هريرة ).

ثالثا: أن هاتين الصفتين (الإيمان + الأخوة) لا تزايل المؤمنين ولا تفارقهم حتى ولو بغى بعضهم على بعض وقاتل بعضهم بعضا؛ مع أن ذلك مناف للإيمان والأخوة فهم دوما مؤمنون وإخوة، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على وجوب حرص المسلمين على رابطتهم الإيمانية وأخوتهم في الدين أشد ما يكون الحرص.

رابعا: أن الله تعالى جعل إصلاح ذات البين علاجا لكل أمراض التفكك والانحلال والتباغي والاقتتال: فقال تعالى: وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُومِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فإصلاح ذات البين هو السبيل الأقوم والأرشد لإحياء الأخوة ودفع نواقضها، وقد جعله النبي  أوجب الواجبات وأعلى درجة في التكليفات فقال عليه الصلاة والسلام: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: إِصْلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ. وَفَسَادُ ذَاتِ الْبَيْنِ الْحَالِقَةُ» (سنن أبي داوود الترمذي)، فإصلاح ذات البين بالعدل إحياء لبذور الأخوة وإشاعة للرحمة والخير بين المسلمين وإطفاء لنيران العداوة التي تفتك بدينهم ودنياهم.

خامسا: ضرورة وجود عقلاء حكماء في الأمة عند كل فتنة وغمة؛ رسالتهم تحكيم العقل والشرع فيما شجر بين الإخوة، ترقيعا لما وَهَى، ورفعا لما أصاب ودَهَى، وتغليبا للمصلحة العليا؛ مصلحة بقاء الدين، وصون وحدة المسلمين، وحفظ كرامة المسلم ودمه من أن يراق من غير موجب من العقل والدين. فلا يجب أن يصطف المسلمون كلهم وراء الفريقين، ويغيب صوت الإصلاح….

سادسا: أن الرحمة مقرونة ببقاء الأخوة والإيمان وبقاء الفئة العاقلة القائمة بإصلاح ذات البين: فقوله لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ، دال على أن استجلاب الرحمة مشروط ببقاء الأخوة والإيمان والحرص عليها؛ وبالفعل فاجتماع الكلمة وائتلاف القلوب واتحاد الأمم والشعوب، جالب لكل خير ونعمة، والتعاون والتناصر والوحدة، وليس أجلب للعذاب من تسليط الله على المسلمين عدوا من خارجهم يسومهم العذاب أو جعل الخلاف بينهم: قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ  انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ(الأنعام: 65).

سابعا: أن حال المسلمين اليوم لم يعد يحتمل أدنى درجة من الخلاف والتفرق، ولا مثقال ذرة من البغي والتظالم: إذ يكفي ما وصل إليه الحال من الضعف والهوان، ومن الخزي والخذلان ومن التحكم الخارجي، والقابلية للافتراق الداخلي، واقع صار فيه الأقارب أعداء والأباعد أصدقاء..

إن أمتنا اليوم تقف على مفترق طريق:

إما أن تنطلق إلى الشهود الحضاري لما تمتلكه من مقومات هائلة: من رسالة دينية إنسانية فاضلة، وثروات طائلة وطاقات بشرية موهوبة وعاقلة، وتنوعات ثقافية بالتكامل حافلة.

وإما أن ترتكس إلى ضمور تاريخي وحضاري بدأت تطل بوادره، وتستعر ناره، ويتكاثر عليه شراره، وآنذاك ستلحق الجميع آثامه وأوزاره.

ولقد كتب الله لهذه الأمة البقاء، ووعدها بالنصر والتمكين، وليس بينها وبين ذلك إلا العدول عن الظلم والبغي، والعمل بما أنزل ربنا من الهدى في الوحي، والاعتصام بحبل الله المتين واقتفاء سنة خير المرسلين، ونهج سبيل المصلحين، وغرس قيم الرحمة والعدل والتضحية والبذل، والتكارم والتراحم، والتناصح والتناصر، والتواصي بالحق والتواصي بالصبر.

وأخيرا لا نملك إلا أن ندعو الله تعالى قائلين: رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالاِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ(الحشر: 10).

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *