مقولة “الشعر نكد بابه الشر فإذا دخل في باب الخير لان…” في ميزان النقد (3)  


رابعا: ما سبب شيوع رواية ابن قتيبة -وهي الأضعف-، وضمور رواية المرزباني -وهي الأوثق-؟

1 – للأسف الشديد عُرف الأصمعي في نقده لحسان عبر رواية ابن قتيبة في كتب التراجم والطبقات رغم ضعفها، أكثر ما عُرف عبر رواية المرزباني مع أنها الأقوى والأوثق، وكانت هذه الرواية الضعيفة هي عمدة جمهور الدارسين الذين سلموا بمقولة ضعف الشعر العربي غداة صدر الإسلام دون أن يوردوا على ذلك الدليل العلمي، وشذ عن ذلك قلة قليلة ممن انتبهوا لرواية المرزباني؛

2 – وفي تقديرنا أن سب شيوع رواية ابن قتيبة عند القدماء أنها تسهم في رفع حرج انتاب فريقا من العلماء المتأخرين ممن نظروا إلى الشعر نظرة أخلاقية ضيقة، وبالأخص شعر حسان الإسلامي؛ فلم تستسغ نظرتهم للفن الشعري أن يبتعد الشاعر عن الحقيقة في نقل الواقع، وعدوا المبالغة لهذا الاعتبار كذبا أخلاقيا؛ ولم يتقبلوا أن ينظم الشاعر في موضوعات هي بالنسبة إليهم محرمة، حتى بلغ الحرج ببعضهم إلى التدخل في همزية حسان بن ثابت الأنصاري المشهورة التي قالها في فتح مكة، فادعى أن صدرها -وفيه استطراد للخمر على سبيل التشبيه- قاله حسان في الجاهلية، وقال آخرها في الإسلام؛ وأصل هذه الشائعة خبر نقله في القرن الرابع يوسف بن عبد البر (463هـ) في كتاب الاستيعاب، منسوب إلى المصعب بن عبد الله الزبيري (236هـ) في القرن الثالث، قال: “هذه القصيدة قال حسان صدرها في الجاهلية وآخرها في الإسلام”(1)، مع أن القصيدة رويت بتمامها في أصول مصادر الشعر الإسلامي دون تشكيك في بنائها، ومنها سيرة ابن هشام ذاهبا إلى أنها “مما قيل من الشعر في يوم الفتح”(2)؛ ثم أكد ذلك مرة ثانية بقوله: “قالها حسان يوم الفتح”(3).

3 – وتأثر جمهور الدارسين المعاصرين بهذه النظرة المعيارية حتى توهم بعضهم عداوة بين الإسلام والشعر على نحو ما ذهب إليه الأستاذ محمد عبد العزيز الكفراوي حين قال: “لم تكن العداوة بين الدعوة الإسلامية والشعر خافية… ولعل روح الدين الجديد -الذي ينهى عن التعظُّم بالآباء ويحرم الخمر، وينفر من التعرض لأحساب الناس بالهجاء وأعراضهم بالتشبيب…- كان سببا في ضعف الشعر العربي بضعف الدوافع إليه… ثم في أي شيء يخوض الشعراء، وقد حرمت أهم الموضوعات التي تثير الشعور وتعين عليه، من شرب وغزل وهجاء ونحوه، إن المسلمين في صدر الإسلام كانوا على العمل أحرص منهم على القول”(4)؛

4 – ولذلك أمكن الخلوص إلى أن وراء اختيار رواية ابن قتيبة واتساع مجال تداولها مواقف غير بريئة مضمرة أحيانا وصريحة أحيانا أخرى؛ وإذا أمكن القول بأن اختيارها عند القدماء كان بسبب رفع حرج متوهم بين الشعر والدين بسبب قصور في فهم خصوصية اللغة الشعرية من حيث هي قائمة على “الاحتمال” و”التخييل” و”المبالغة”؛ فإن وراء اختيار فئة من المعاصرين لها مواقف مغرضة مسبقة تروم افتعال خصومة نقدية بين الفن والأخلاق عموما، وبين الشعر والإسلام تخصيصا، وذلك كله مخالف للحقيقة التاريخة؛ وهو أمر يدفع دفعا إلى ترشيح رواية المرزباني لتصير الرواية الأقوى والأوثق، والله أعلم.

د. صالح أزوكاي

———————–

1 – الاستيعاب في معرفة الأصحاب لابن عبد البر: 1/344.

2 – السيرة النبوي لابن هشام: 2/421.

3 – نفسه: 1/424.

4 – الشعر العربي بين الجمود والتطور43 – 45.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>