سلمان الفارسي ورحلة البحث عن الحقيقة: (1)


باحثون عن الحقيقة، يتلمسون منار الطريقة، ناداهم مناد؛ هيا هنا حياة الأرواح، فهلموا، وفارقوا الأشباح، هيا اركبوا سفن السلامة، قبل أن تحيطكم الأمواج العاتية فتلحقكم الندامة، فليل الباطل أوشك على الرحيل، وفجر الحق سينبلج بعد قليل، ومن هنالك من بعيد، من يثرب يتراءى شعاع نور خافت، ويأتي صوت يهمس في أذن الفارسي أن ارحل يا صاح، فهنالك بغيتك، وفيها ضالتك، فاركب قارب النجاة، وامض في الطريق على بركة الله…

رسالة النبي الكريم محمد  رسالة موجهة للعالمين، عربهم وعجمهم، ورومهم وفرسهم، وليست دعوة قومية، أو رسالة محلية، وبين ذلك ربنا سبحانه في كتابه بقوله : وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين، وقد تقدمت وقفات في هذا العمود مع هذه الآية المباركة لبيان – ضمنيا- عالَمية رسالة هذا النبي الكريم، عليه من الله أفضل الصلاة وأزكى التسليم، لكن ذلك يبقى في إطار التنظير، ولا بد له من الـتأكيد والتقرير، وذلك بسوق نماذج عملية، ورصد مواقف واقعية، وهذا أمر يسير؛ لأن وقوعه في السيرة كثير، فلا يُطلب من دارسي السيرة كبير جهد لالتقاط مثل هذه الدرر، وجمع هذه الغرر، وكيف يُعجز عن ذلك وقد دأبت كتب السيرة قديما وحديثا على عقد فصل خاص بعنوان: “مكاتبة الملوك والأمراء” تبين فيه دعوة الرسول  لملوك وأمراء زمانه.

وفي هذا العمود بحول الله بداية رحلة جديدة مع واحد من أولئك الرواد الذين تركوا دين الآباء والأجداد، ونبذوا وراءهم ظهريا ما كانوا عليه من طريقة، وخاضوا غمار البحث في رحلة طويلة وشاقة للوصول إلى الحقيقة، قصة ذلك الرجل القادم من بلاد فارس، يتخطى ظلام الليل الدامس، عبر محطات متعددة، ليصل إلى المدينة المنورة، ويظفر بالضالة المنشودة، إنه سلمان ابن الإسلام، عليه من الله الرضوان والسلام.

نشأة سلمان :

لا تتحدث الروايات عن أخبار سلمان في طفولته، ولا تقدم معلومات وافية عن نشأته، بل تقتصر على ذكر نبذة مجملة، ولكنها بحول الله كافية لتصور ملامح عامة عن ظروف تلك النشأة، فالرجل من أصل فارسي، من أسرة يمتهن ربها الفلاحة، ويدين بدين المجوس، بمعنى أنهم كانوا أهل شرك في ذلك الزمان، وقد تحدث سلمان بعد إسلامه عن سبب إسلامه ورحلته الطويلة، لكنه ذكر في مطلع هذه القصة العجيبة ما يفيد -في هذا المقام- في التعرف على بعض ملامح الحياة العامة والظروف التي نشأ وترعرع فيها، فقد روى أهل الحديث والسير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: “حدثني سلمان الفارسي وأنا أسمع من فيه، قال: كنت رجلا فارسيا من أهل أصبهان، من قرية يقال لها جَي، وكان أبي دهقان رئيسها، وكنت أحب خلق الله إليه، لم يزل به حبه إياي حتى حبسني في بيته، كما تحبس الجارية، واجتهدت في المجوسية حتى كنت قَطن النار الذي يوقدها لا يتركها تخبو ساعة، وكانت لأبي ضيعة عظيمة…”.

هذا المقتطف يقدم ملامح عامة لنشأة سلمان، فهو ابن أسرة تعتمد الفلاحة، فهي مصدر دخلها، ومرد رزقها، والعادة أن ينشأ أبناء هذه الأسر على شظف العيش وخشونته، وأن يتعودوا منذ صغرهم على الخروج للمزارع والمساعدة في حرثها والقيام بشؤونها، لكن سلمان  يمثل حالة مخالفة، وظاهرة نادرة في مثل هذه المجتمعات، ويرجع ذلك أساسا إلى حب أبيه له وتعلقه الشديد به، فقد حال ذلك دون اقتحامه الحياة العامة، ومخالطة الناس، ومعرفة ما يجري في الداخل والخارج، بل يمكن أن نلمس في قوله: “كما تحبس الجارية” الشعور بالانتقاص، وعدم اكتمال مقومات الشخصية الرجولية، فالجارية هي التي تحتاج لهذا الصون، والحفظ، أما الولد فيجب أن يقذف به في معسكر الحياة ليشتد عوده، ويتعلم أمورا لا يمكنه تعلمها في البيت، ولذلك فالأب -بمعاييره ونظرته- سيؤدي ضريبة كبيرة، ويدفع ثمن هذا الحرص والدلال غاليا في أول خرجة سيخرجها سلمان من بيت الأسرة وحيدا، وهذا ما سيتبين في حلقات قادمة بحول الله.

لكن الذي ينبغي ألا يفوت التنبيه عليه هنا، والدرس الذي يمكن أن يستخلص من هذا الأسلوب في تربية الأبناء:

– أولا: هذا الأسلوب يجعل الولد يشعر بالدونية والانتقاص، وعدم اكتمال مقومات الشخصية المتكاملة، القائمة على حرية الاختيار، وترك هامش لابد منه لاتخاذ القرار.

– ثانيا: هذا الأسلوب يجعل الولد لقمة سائغة لكل تيار يمكن أن يجرفه، ويمكن استغلاله واستدراجه بسهولة، وهذا ما سيحدث لسلمان بناء على تصورات أبيه ومعاييره.

عبد الصمد احسيسن

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *