المنظور الإسلامي لمفهوم التربية*


مفهوم التربية وغاياتها:

تهدف التربية بعامة إلى تكوين شخصية المتعلم نفسيا وعقليا وجسديا وإنسانيا، عبر برامج ومقررات دراسية، ومناهج وأساليب تربوية لتحقيق تلك الأهداف والغايات وبلوغ تلك المقاصد والأغراض.

والإنسان هو موضوع التربية لتزكيته وتطهيره، وصقل مواهبه وتفتيح قدراته، وتأهيله لأداء مهمته في الاستخلاف: إني جاعل في الأرض خليفة(البقرة: 30) وإعمار الكون وبنائه: هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها(هود: 61)، مما لا يتحقق إذا لم يأخذ الإنسان حظه من التربية ونصيبه في التعليم والتجريب، واكتساب الخبرات والمعارف والمهارات.

والفلسفة التربوية العامة للأمم والشعوب هي التي تتحدد معها الغايات الكبرى والأهداف العليا التي تستمد وجودها من التعاليم والثقافة السائدة في الأمة، وهي التي ترسم المناهج التربوية، والإطار العام الذي يوجه العمل التعليمي التربوي، بما يجعلها تستجيب لمقوماتها وتساير التطورات الاجتماعية والعلمية في العالم، مع الحفاظ على هوية الأمة وخصوصيتها وتراثها، دون انكفاء أو انغلاق.

وإذا كان تحقيق مفهوم التربية العامة يمر عبر مفاهيم أخرى مثل: العلم والعقل والتنوع الثقافي وغير ذلك من المحفزات المعرفية، مما يساعد على تقدم الإنسان ومسايرة عصره واستشراف مستقبله، وإذا كانت التربية في الغرب الأوربي ومن شايعه من الأمم والشعوب في اختياراته، تقوم على الفلسفة المادية الجدلية، والعلمانية في استبعاد كامل للدين عن الحياة، ورفع القداسة عن الرسالات السماوية واعتبار تعاليمها وقيمها ناسبت ظروفها وعصورها، وأن الزمن تجاوزها مما لم تعد معه صالحة للبشرية اليوم، وإذا كانت التربية الغربية تقوم فلسفتها على العلم والعقل والحياة، إعدادا وتكوينا لحياة الإنسان في دنياه، فإن فلسفة التربية الإسلامية تهدف إلى تحقيق أغراض كبرى من حياة المتعلم المسلم أهمها:

أ – تثبيت عقيدة التوحيد وإخلاص العبودية لله تعالى، والتخلق بتعاليمه الإسلامية وقيمه وذلك لتزكية نفسه وتطهيره والحد من نزوعاته وغلوائه، حتى يرقى إلى مستوى خطاب التكليف: قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها(الشمس: 8-9).

ب – ترسيخ إيمانه عن طريق التصديق القلبي للوحي الذي به يهتدي الإنسان في حياته الدنيوية والأخروية، وعن طريق عقله الذي هو سبيل الإنسان للإدراك وطلب الأسباب وتحمل المسؤولية، ولذلك كان الوحي والعقل ضروريين ومتكاملين لتحقيق الحياة الإنسانية الصحيحة.

ج – استقرار الإيمان في قلبه من منطلق أن مستقر الإيمان هو القلب: قال تعالى: وقلبه مطمئن بالإيمان(النحل:105).

د – تنمية عقله بالمعارف والعلوم، وتحصينه بالقيم والفضائل -سبلا وأدوات- من أجل النظر والتدبر والتعقل لا من أجل المعرفة وحدها ولكن لتوظيفها في حياته وخدمة أمته ومجتمعه، يقول تعالى في صفة النبي المعلم: هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة(الجمعة: 2)، وفي شأن توظيف العلم والعمل به يقول  في حديث معاذ بن جبل : “كنا نتدارس العلم في مسجد قباء إذ خرج علينا رسول الله  فقال: «تعلموا ما شئتم أن تعلموا، فلن يأجركم الله حتى تعملوا»”(حلية الأولياء – لأبي نعيم.).

وبذلك يتبين أن التربية الإسلامية تهدف -بالإضافة إلى ما تصبو إليه التربية العامة للأمم والشعوب- إلى تحقيق غايات أسمى وأهداف أكبر، حيث تقع على عاتقها مسؤولية شديدة الخطورة بالغة الأهمية، هي تربية الإنسان المسلم على عقيدة التوحيد وشريعة الإسلام وقيمه، تربية تخضع لها حياته كلها، وإقداره على أداء دوره في إعمار الكون وبنائه، مما يعني أن التربية الإسلامية بالنسبة للإنسان المسلم ضرورة وجود وحياة، وحتمية استمرار وبقاء، ذلك أن التربية في مفهومها الإسلامي النابعة من جوهر الدين ومبادئه وقيمه، يجب أن تحكم الحياة بتعاليمه وقواعده وأهدافه العامة.

وإذا كان هذا هو البناء والقاعدة الأساس التي يجب أن تبنى عليه فلسفة التربية -أعني عقيدة التوحيد وما يترتب عنها- فإن هذا الإطار يكاد يكون غائبا أو شبه مفقود في فلسفتنا التربوية، ولا يكفي فيه الإشارة في الديباجات والأهداف العامة، بل إلى ما يحققه على الواقع يتربى عليه المتعلم وتتشربه نفسه، وتتمثله قدراته العقلية، ويصطبغ به سلوكه.

وفلسفة التربية في الإسلام تركز على محورين أساسين: الإنسان والمجتمع : فالإنسان هو موضوع التربية لتزكيته وتطهيره وصقل مواهبه، وتفتيح قدراته وتأهيله لحياة، وهذا لا يتحقق إذا لم يأخذ الكائن الإنساني حظه من التربية ونصيبه من التعليم والتدريب والتكوين والتجريب واكتساب الخبرات والمعارف والمهارات، والتربية بالنسبة للكائن الإنساني ضرورة وجود وحياة، وحتمية استمرار، باعتبار أنها تعنى بالبناء العقلي والقلبي والسلوكي للإنسان لتنمية شخصيته واستقامة أخلاقه وتمسكه بقيم أمته، وهذا يعني أن تكون مناهج التربية والتعليم تهدف إلى تغيير ما بالنفس لبناء الذات الإنسانية، على أساس تحقيق التغيير في الإنسان وتحصين نفسه من الداخل، وتحجيم نوازعه الداخلية التي تدفع إلى الانحراف والشرور، وتوجيه طاقاته نحو فعل الخيرات في إطار الضوابط العقلية والتزكية الروحية والتوجيه الأخلاقي ليصبح إنسانا نافعا بناء مفيدا لبني جنسه مدركا لانتمائه الإنساني وذاتيته وخصوصيته ودوره في الاستخلاف والعمران دونما استلاب أو تقوقع .

هذا على مستوى الفرد لتربية وتحصينه، أما على مستوى المجتمع والأمة، فإن التربية نتاج المجتمع وحصيلته بمقدار ما هي صانعته، ولا يتأتى للتربية والتعليم إحداث التغيير والتطوير والبناء -إلا إذا أحاطت بواقع الأمة ومقومات مجتمعاتها ورصيدها الحضاري والثقافي والديني، حيث إن هذه المقومات يجب أن تكون حاضرة لدى صانعي خطة الاستراتجية العامة للتربية الجديدة المنشودة، وهذا دون إغفال النظرة الحديثة للتربية التي أصبحت ترى فيها الأداة الأساسية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية باعتبار أن التربية لم تعد مجرد “خدمة استهلاكية” تقدم للأفراد بقدر ما هي توظيف مثمر للموارد البشرية التي تفوق عطاءاتها توظيف الأموال في المشاريع الاقتصادية، أنها معادلة صعبة: الحفاظ على مقومات الأمة وهويتها وموروثها الثقافي، مع اعتماد ما يحقق المواكبة والتطور الحضاري والبناء الاقتصادي.

اختزال مفهوم التربية الدينية / الإسلامية:

وإذا كان مفهوم التربية الإسلامية كما يكشف عنه الخطاب التربوي العربي الإسلامي قد جمع بين تأديب النفس وتنقية الروح وتثقيف العقل وتقوية الجسم وترشيد السلوك، والحضور المؤثر الفاعل في جميع مجالات الحياة مهما اتسعت وتعددت أشكالها، فإن التربية الإسلامية اختزلت في عصور الانحطاط والتخلف والتبعية إلى تربية دينية تهتم بالجانب الروحي في حياة الإنسان بواسطة العبادات والشعائر والأذكار مما أسبغ عليها نوعا من اللاهوتية الكنسية، وألفت لهذه الغاية كتب خاصة بمناهج هذه التربية محتوى معرفيا ومنهجا تدريسيا.

وهذا المنحى الذي اختزلت فيه التربية الإسلامية لا يتفق مع حقيقة الإسلام وجوهره الذي هو “دعوة للحياة الدنيا بمادياتها وطيباتها، كما هو دعوة للروح والآخرة يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم(الأنفال: 24)، والتربية الإسلامية بمختلف علومها الشرعية والطبيعية، تعمل لنصرة الإنسان في الدنيا أولا ثم لنصره في الدين ثانيا إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الاشهاد(غافر: 51) بل إن التربية الإسلامية تهيب بالإنسان ألا يترك الدنيا وينساها، وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا(القصص:77).

إن التربية الإسلامية التي نريد أن نبرز حقيقتها ليست مرادفة لما اصطلحنا عليه بالتربية الدينية والتي تجمعت في نصوص وكلمات وشروح… ولكنها التربية الشاملة التي تعددت مجالاتها وأنواعها وأساليبها ومصادرها، واشتغلت عليها مجتمعات إسلامية في عصورها المختلفة وعند أجناس عربية وفارسية وتركية وأمازيغية وهندية، وتكونت على أضوائها ما يعرف بالأمة الإسلامية.

العلامة عبد الحي عمور

رئيس المجلس العلمي المحلي لفاس

———————–

* – الأصل في المقال عرض ألقي في اليوم الدراسي الذي نظمه المجلس العلمي المحلي لفاس بشراكة مع الأكاديمية الجهوي للتربية والتكوين لجهة فاس – مكناس.. في موضوع: “نحو فهم عميق لمقاصد المنهاج الجديد للتربية الإسلامية وإشكالات تطبيقه” بتاريخ: 25 مارس 2017.

يتبع…

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *