افتتاحية – أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ


الأمن حاجة طبيعية أقرتها الطبائع السليمة وأكدتها الشرائع الصحيحة، وقد اعتبرت الشريعة الإسلامية الأمن مطلبا ضروريا لحفظ الدين والنفس والعقل والعرض والمال، وجعلته أوجب الواجبات وآكد المؤكدات.

وإن البشرية في عصرنا الحاضر عامة والأمة الإسلامية خاصة تعاني معاناة كبيرة من مشكلات الأمن ومعضلاته، وقد تباينت فيه الفهوم والتفسيرات، واختلفت الحلول والمعالجات، ويمكن رد هذه الاختلالات إلى ما يلي:

– قصر مفهوم الأمن على الأمن العسكري، حتى صار في اعتقاد الكثيرين أنه هو الأمن المطلوب.

– رد أسباب فقدان الأمن إلى أسباب اقتصادية وغياب النمو المنشود، أو بردها أحيانا إلى عوامل دينية بتحميل الدين الإسلامي إثم غياب الأمن أو تهديده، واعتبر ذلك ذريعةً لمحاربة الإسلام وإبعاد أهله عن مجال تدبير الحياة العامة..

وبناء على ذلك كله اتجهت الحلول اتجاها معكوسا منكوسا في منحيين:

الأول: منحى التخويف من الإسلام ومن أهله، وتصويره بأنه سبب البلاء وأنه المهدد الرئيس للأمن؛ وبسبب ذلك أيضا فرضت على الأمة مقررات تعليمية وبرامج إعلامية بعيدة كل البعد عن التوجيهات الإسلامية، وخالية من الروح الإيمانية غايتها تجفيف منابع الخير في الأمة وقطع صلتها بالله تعالى.

الثاني: إيلاء البعد الاقتصادي والتنمية المادية أهمية قصوى لتحقيق الأمن؛ لذلك تم توجيه التعليم والإعلام نحو خدمة السوق الاقتصادية فقط وتلبية حاجات المجتمع المادية من غير مراعاة لموافقتها للأحكام الشرعية.

وفات كثيرا من هذه المحاولات إدراكُ أن الأمن الحقيقي إنما هو في ظل طاعة الله  والعمل بتوجيهاته وهداياته، وقد كان من أكبر الأخطاء المرتكبة في هذا المجال تحميل الإسلام وزر تهديد الأمن الاجتماعي والعالمي، بل صار هذا الفهم واحدا مما يهدد الأمن البشري.

والواقع أن مفهوم الأمن في الإسلام ينتمي إلى أسرة الأمانة والإيمان، وقد جاء الإسلام رابطا بينهما ربطا محكما غير قابل للانفصال؛ بل جعله الإسلام هو النعمة الكبرى وعلة كل أمن؛ فلا أمن من عقاب الله تعالى إلا بالإيمان، ولا خوف من الإنسان إذا كان مسلما مؤمنا.

قال تعالى في ربط الأمن بالإيمان: الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (الرعد: 28).

وربط النبي  بين الإيمان والأمن الاجتماعي فقال: «المؤمن مَن أَمِنَه النَّاس على دمائهم وأموالهم» (رواه الترمذي وقال حسن صحيح). كما أقسم النبي  نافيا العلاقة بين الإيمان وسلوك الإجرام، ومنكرا على من يدعي الإيمان تصورا ويخالفه تصرفا فقال : «والله لا يؤمن! والله لا يؤمن! والله لا يؤمن!» قيل: ومن يا رسول الله؟ قال: «الذي لا يأمن جاره بوائقه» (صحيح البخاري).

وقال تعالى في بيان الاقتران بين الأمن الغذائي / الاقتصادي والإيمان:وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْض (الأعراف: 96).

وإذا كان الأمن والإيمان متلازمين، فإن نفس العلاقة تحكم الإيمان والأمانة، فقد ورد في الحديث: «لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له» (صحيح ابن حبان).

فيستفاد مما سبق أمور عديدة على رأسها:

– أن الأمن والإيمان والأمانة أمور متلازمة فلا يتصور أحدها بدون الآخَرَيْنِ، ولا يوجد الإيمان إلا وينتج عنه الأمن وأداء الأمانات، ولا يوجد أمن إلا ويشترط في الناس الإيمان بالله وشكره على نعمه، وليس في الدنيا نعمة أعظم ولا أولى من نعمة الأمن الشامل.

– وأوكد أنواع الأمنِ الأمنُ من عذاب الله تعالى دنيا وآخرة، ولا سبيل لتحقيق هذا الأمن إلا بالإيمان والعمل الصالح: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ(الأنعام: 82) وقال تعالى أيضا: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا (النور: 55).

– وأوكد أنواع الأمانات أمانة الدين وإقامة العمران البشري على هدي أحكامه في حلاله وحرامه، ووفق توجيهاته في إصلاح العقول والفِكَر وتهذيب النفوس والفطر، ولذلك فإن الأمة محتاجة إلى إعادة النظر في مفهوم الأمن والتصالح مع ربها وإصلاح إيمانها، وإعادة النظر في طريقة معالجتها لجميع مشكلاتها الأمنية روحيا وفكريا ونفسيا وسلوكيا واجتماعيا واقتصاديا.. وإن المدخل الصحيح لكل ذلك لا يكون إلا بما يلي:

إصلاح العلاقة مع الله تعالى وتأمين جبهة الإيمان وعدم إعلان الحرب على الله تعالى وعلى دينه وأوليائه.

جعل التربية على المبادئ الإيمانية والأخلاق الإسلامية محل الصدارة وعليها المدار في الوقاية من كل ما يهدد الأمن بمفهومه الشامل.

إصلاح منظومة التعليم قبل غيرها من المنظومات؛ إذ هي الكفيلة بتخريج الجيل القوي الأمين والتقي النقي الصالح للعمل في جميع القطاعات، والناجح في ترشيد المؤسسات والوقاية من العثرات والنكبات.

وإن رسالة الأمة في الإسهام في إنقاذ البشرية مما يهدد أمنها لمسؤولية كبيرة، وإن إخلالها بهذه الرسالة لجريرة كبيرة.

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *