أمستعدون لحسن استقبال شهر الصيام والقيام؟


إننا بحول الله  وبعد أيام معدودة، نستقبل شهرا كله خير وبركة، إنه شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان.

والنفوس وهي تستقبل شهر رمضان المبارك، ليست على شكيلة واحدة، وإنما هي أنواع متعددة، يظهر أنها في الجملة ترجع إلى صنفين كبيرين، صنف وعى قيمة شهر الصيام والقيام، فاستعد وانشرح. وصنف غلبت عليه الغفلة ورانت على قلبه الذنوب، فلم يعد يعبأ بزمان فاضل ولا بمكان رفيع…

إن استقبال شهر الصيام والقيام، لا يكون استقبالا يحظى فيه العبد بضيافة ذي الجلال والإكرام، إلا إذا كان متضمنا لأمور أساسية، منها:

• أن يستقبل العبد شهر الصيام والقيام، بالتوبة الصادقة، والإقبال على ربه سبحانه وتعالى؛ لما في ذلك من إعداد العبد نفسَه ليكون أهلا لرحمات الله ولمغفرته في شهر المغفرة والرضوان…؛ فإن التوبة إذا كانت واجبة في كل وقت وحين، فإنها لحظة الإقبال على شهر كريم، تكون آكد، وتكون حاجة العبد إليها أكثر من أي وقت آخر، وذلك لما تتضمنه من التخلية المؤهلة للتحلية…؛ فإن الله يقبل سبحانه وتعالى على من يقبل عليه…. ففي الحديث القدسي:«يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه حين يذكرني … وإن أقبل إلي يمشي أقبلت إليه أهرول»(1). والتوبة من أعظم صور الإقبال على الله ، لأنها تدل على معنى الرجوع إليه سبحانه وتعالى، والخضوع له والانقياد لأمره ونهيه…

• أن يستقبل العبد شهر رمضان الكريم، بصدق وإخلاص؛ فقد قال تعالى: فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ(2). وفي الصحيحين: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى…».

واستقبال شهر الصيام والقيام بصدق وإخلاص، يقتضي أن ينوي الصائم بصومه له، امتثال أمر ربه، ونيل جزاء خالقه، لا أن ينوي به سلامة جسمه، أو اتباع عادة مجتمعه، أو السلامة مما قد يقع من عتابه ولومه.

• أن يتعلم مستقبل شهر الصيام والقيام، أحكام الصيام وما يصح به صومه وما يبطل، وما يزيد في الأجر وما ينقص من ذلك،…؛ فإن تعلم أحكام ما يجب على المكلف فعله أو تركه قبل أن يقدم على الفعل أو الترك، من الأمور المجمع عليها كما يقول أحد أئمة المذهب المالكي وهو الإمام القرافي رحمه الله(3).

• أن يفقه المسلم معاني الصيام وأحكامه قبل الشروع فيه، ويدرك هل الصيام هو التوقف عن الطعام والشراب من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، أو هو إقبال كلي على ذي الجلال والإكرام، وإعراض شامل عن كل مرض قلبي وانحراف سلوكي وأخلاقي؟ … “رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش…”.

• أن يستحضر المسلم مكانته وفضله من جهة؛ ومن جهة أخرى، التعرف على ما ميز الله به شهر الصيام والقيام من فضائل ومكرومات؛ فإن معرفة مكانة الشيء، ومعرفة ما يتميز به عن غيره، من أهم ما يدفع إلى العناية به وإلى حسن الاهتمام بشأنه… ثبت في صحيح مسلم أنه  قال: “«الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر». وفي سنن النسائي وغيره أنه صلى الله عليه وسلم قال: «أتاكم شهر رمضان شهر مبارك، فرض الله عليكم صيامه، … فيه ليلة هي خير من ألف شهر من حرم خيرها فقد حرم».

فشهر رمضان، جعله الله تعالى مباركا لما أنزل فيه أفضل كتبه وهو القرآن الكريم. وخصه بليلة هي خير من ألف شهر…

• أهمية وضع برنامج مناسب وخطة عمل مُمَكِّنة بإذن الله من قضاء شهر الصيام والقيام قضاء يستحق به العبد تلك الجوائز السنية التي أعدها للصائمين والقائمين من عباده الصادقين: “من صام رمضان إيمان واحتسابا، غفر له ما تقدم من ذنبه” / “إن بالجنة بابا يقال له الريان لا يدخل منه إلا الصائمون…”(4)…

وإن من أهم ما ينبغي أن يتكون منه ذلك البرنامج:

– تخصيص وقت كاف لتلاوة القرآن الكريم، فإن ذلك هو دأب فضلاء الأمة في كل زمان… ولا يخفى ما لقراءة القرآن عامة من فضل عند الله ، فما بالك إذا وقع ذلك في شهر الصيام والقيام: “من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة،..” / «اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه….”(5).

– تخصيص وقت مناسب لحضور مجالس العلم ومدارسة القرآن الكريم…

– تدبير الجانب المالي بما يساعد على الإكثار من البذل والعطاء، اقتفاء لآثار خير الخلق ، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ  أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَان، وَكَانَ جِبْرِيلُ يَلْقَاهُ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي رَمَضَانَ يَعْرِضُ عَلَيْهِ النَّبِيُّ َ الْقُرْآنَ…”(6).

– تنظيم أوقات العمل وأوقات الراحة بما لا يتعارض مع الحفاظ على الصلوات في أوقاتها، وأدائها مع الجماعة بالمسجد. وبما لا يَحرم العبد من الحرص ما أمكن على شعيرة صلاة التراويح، اتباعا لسلف الأمة…

– تخصيص أوقات مناسبة للذكر والدعاء، فقد ثبت أن دعاء الصائم مستجاب (7).

فالله بلغنا رمضان، واجعلنا ممن صامه إيمانا واحتسابا فغفر له ما تقدم من ذنبه، والحمد لله رب العلمين.

د. عبد الله طاهيري

———————-

1 – رواه مسلم.

2 – سورة محمد، الآية 21.

3 – كتاب الفروق،ج2 ص 258.

4 – رواه الترمذي.

5 – رواه مسلم.

6 – متفق عليه.

7 – ينظر: صحيح الجامع، حديث رقم 3030.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *