من أوراق  شاهدة – عـولـمة الاستسلام للأقوياء


كثيرا ما يستغرقني الاستغراب أمام موجة السخط التي يؤازر ويشد بعضها بعضا حين يتعلق الأمر باللغة العربية.

ويمكن تفهم موجة الازدراء التي قد تطبع سلوك الناس العاديين الذين أوتوا من العلم قليلا، ويمكن تفهم تلك المشقة التي تعتري محاولاتهم المثيرة للشفقة، للحديث بلغة موليير بإتقان، وهم يجهدون أنفسهم للحفاظ على سلامة اللكنة الفرنسية أو الإنجليزية، ويعالجون حركاتهم الشخصية لتبدو شبيهة حد التطابق مع أصحابها الأصليين، لا عجب وقد التف حول قلوبهم الغزو الثقافي قبل أجسامهم، وأقنعهم من خلال كل أصناف صناعات الجدب التي يسوقها عبر العالم بأن الغرب هو الخلاص والحضارة وكفى.

لكن أن يشحذ مثقفون ألسنتهم وأقلامهم للنيل من لغة القرآن ويعتبرونها غير مقدسة، وتتجند شريحة منهم لجعل اللهجة الدارجة تتسيد المشهد العلمي والتربوي، وينبري صنف آخر للتنقيص من اللغة العربية وربطها بتعسف مثير بالإرهاب والنكوص الحضاري..إلخ، فتلك معضلة لا شفاء منها إلا بالعودة إلى الذات.

لكن كيف يعود إلى الذات من يزدريها؟ وكيف يعتز بلغتها من ينكر مشاعرها الدينية ويعتبرها مجرد غيبيات وخرافات تكرس وضعية التخلف والهزيمة؟؟.

هم مثقفون بلا شك بحزمة شهادات ووظائف ثقافية وفكرية معتبرة يرصدون بها قضايا بلدهم والإنسانية جمعاء، فما بالهم يغفلون عن حقائق اقتنع بها غربيون منصفون ومنهم علمانيون أشادوا باللغة العربية واستشهدوا بعلماء عرب بزغ نجمهم في العلوم الدقيقة والعلوم الإنسانية عبر اللغة العربية التي كانت آلية أبحاثهم وخلاصات نظرياتهم، وكانت المهماز الذي انطلقت منه نهضة الغرب وإفلاته من ظلاميته إبان العصور الوسطى.

وتشهد الأبحاث الاجتماعية أن كل الدول التي حققت إقلاعها العلمي انطلقت من اللغة الوطنية، وبها تدرس العلوم لطلابها بالإضافة إلى لغات أخرى كالإنجليزية. نموذج دولة اليابان المعروفة بصعودها الصاروخي إلى مصاف الدول القوية وذلك باعتمادها على مقوماتها وخصوصياتها الحضارية ومنها اللغة المحلية لتحقيق الإقلاع.

ومن سيرة هذه الخصوصيات عبر العالم نطالع بحسرة ما حدث في فرنسا على سبيل المثال إبان حكم فرنسوا ميتران، إذ عاين المسئولون الفرنسيون تراجع اللغة الفرنسية بشكل كبير أمام التقدم المتواصل للغة الإنجليزية فانتفضوا للوضع إياه وأحدثوا برامج قوية ومغرية لتمديد الفرنسية في دول العالم على العموم والدول الإفريقية على وجه الخصوص، معتمدين ما سموه حركة الفرانكفونية لإعادة الإشعاع للغة الفرنسية.

وفي السياق تظهر دراسات أن جل البلدان التي تدرس العلوم بمؤسساتها التربوية تعتمد لغتها الوطنية في التدريس، كالصين واليابان وروسيا.

ويذكر أن الرئيس الصيني “شوان لاي” كان لا يتحدث إلى ضيوفه العالميين ساسة وغيرهم إلا بالصينية، وكان يتقن الفرنسية والانجليزية لكنه اعتزازا بلغة وطنه لا يتكلم سواها.

ولأن الشيء بالشيء يذكر قد وفقني الله سبحانه للولوج إلى مؤلفات العالم المغربي الشهير الدكتور المهدي المنجرة رحمه الله الذي لم ينبت من آخر قطرة مطر كما يقال، وهو الشخصية العلمية الدولية المرموقة، فوجدت في كتبه الكثير من الحقائق الخفية التي تفيد بأن هناك تبييتا لاستراتيجية قتل اللغة العربية؛ لأنها لغة الوحي ولغة إخراج الناس من عبادة المتسلطين من آلهة المال والسلطة إلى عبادة رب العباد. وبالتالي تحقيق الاستقلال والتخلص من التبعية التي ترهن المستضعفين للمستكبرين.

وقد ظل الدكتور المنجرة رحمه الله بغيرته المعروفة يفضح بكل المنابر العالمية التي حل فيها ضيفا محاضرا، سيناريوهات وأد الخصوصيات الوطنية ودفعها إلى اللحاق الروحي والنفسي بالغرب لسلبها حريتها وعقيدتها وخيراتها، مؤكدا على ضرورة تفعيل ثالوث لا رابع له لتحقيق النهضة والتخلص من وضعية التبعية. وهذا الثالوث يتلخص في: محوالأمية/ الدفاع عن اللغة العربية/ البحث العلمي.

وما فتئ الدكتور المنجرة في لقاءاته العلمية يستنكر موجة تهميش اللغة العربية، ويسفه النظريات المغشوشة التي تدعي أن اللغة العربية لغة “الفقها” والقراءة على القبور؛ حيث يصيح في شريط بصري بغيرته المعروفة أن القرآن الكريم جاء للتغيير وأنه صالح لكل مكان وزمان وأنه علمي بدون نقاش.

وإذا كان الدكتور المهدي المنجرة رحمه الله بسفر معرفته المكتظ بالدراسات العلمية المحضة والمؤلفات الشهيرة التي سبق بها في استشرافاته العلمية لدورة التدافع البشري، علماء ومفكرين مبرزين من طينة صاحب نظرية صدام الحضارات، الأمريكي هانتنغتون، يؤكد على قدرة اللغة العربية على تحقيق التغيير الراشد للعالم لا تغيير مسح الهويات وشفط الخيرات، فكيف يسقط مثقفون لنا نفترض فيهم حسن النية، في جب التمزيق الاستعماري الجديد للعالم العربي عبر طمس هويته؟.

إن السيناريوهات التفكيكية للعالم العربي لن تنتهي مادام منسوب الشره لا ينقطع، لكن أبناء الأمة العربية من المثقفين هم أولى بالتصدي العلمي الذكي لهذه الموجات المهرولة لاجتياح العالم العربي من جديد.. ولن يتأتى هذا التصدي إلا بمثقفين حكماء وربانيين يعرفون كيفيات تسويق سلعة الله الغالية، والدواء الأوحد لأوجاع العالم: القرآن الكريم برسالته العظيمة، رسالة العلم. وإن أول العلم الخشية لله إنما يخشى الله من عباده العلماء.

ذة. فوزية حجبـي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *