مع كتاب الله – من معاني الزكاة والتزكية  في القرآن الكريم


التزكية من المادة الثلاثية (زكا)، نقول: “زَكا زَكاء وزُكُوّاً وزَكِيَ وتَزَكَّى، وزَكَّاه الله، وزَكَّى نفسَه تَزْكِيةً”، و”أَصل الزكاة في اللغة الطهارة والنَّماء والبَركةُ والمَدْح”، كما جاء في لسان العرب، وزاد الراغب قيدا لهذا النماء، خاصا بالمعنى القرآني للمادة فقال: “أصل الزَّكَاةِ: النّموّ الحاصل عن بركة الله تعالى، ويعتبر ذلك بالأمور الدّنيويّة والأخرويّة”.

وهذه المادة في القرآن الكريم، تدور على مصطلحين: الزكاة بمعنى الفرض المقترن بالصلاة في معظم آيات وروده، والتزكية والزكاة بمعنى التطهير أو بمعنى المدح والتعديل، قال ابن منظور عن الزكاة: “وهي من الأَسماء المشتركة بين المُخرَج والفعل فيطلق على العين وهي الطائفة من المال المُزَكَّى بها وعلى المَعنى وهي التَّزْكِيَة”.

وهذه التأملات المتواضعة ستشمل المعنى الثاني دون الأول.

هذا المعنى الثاني توحي لنا القراءة الأولية لنصوصه بعدة أمور منها:

1 – التزكية التي هي بمعنى التطهير، وظيفة من وظائف الرسول ، ومقصد من مقاصد النبوة، يقول الله سبحانه وتعالى:

– كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ(البقرة: 151).

– لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ(آل عمران: 164).

– هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِين(الجمعة: 2).

وكان ذلك استجابة من الله لخليله إبراهيم  الذي دعا الله قائلا: رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(البقرة: 129).

2 – يستعمل لفظ الزكاة بمعنى الطهارة والصلاح أيضا، كما في قوله سبحانه: فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا(الكهف: 81).

3 – كما نلاحظ، من خلال آيات الورود، أن التزكية ترد على وجهي المدح والذم:

مثال الأول قوله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا(الشمس: 9).

ومثال الثاني قوله سبحانه: فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى(النجم: 32).

والملاحظ في هذه التفرقة، ومتى تكون تزكية النفس مذمومة ومتى تكون محل ثناء وأجر، هو نوعها، قال الراغب: “وتَزْكِيَةُ الإنسان نفسه ضربان: أحدهما: بالفعل، وهو محمود، وإليه قصد بقوله: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها، وقوله: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى، والثاني: بالقول، كتزكية العدل غيره، وذلك مذموم أن يفعل الإنسان بنفسه، وقد نهى الله تعالى عنه فقال: فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُم، ونهيه عن ذلك تأديب لقبح مدح الإنسان نفسه عقلا وشرعا، ولهذا قيل لحكيم: ما الذي لا يحسن وإن كان حقّا؟ فقال: مدح الرّجل نفسه”.

4 – التزكية يمكن أن تكون من عمل الإنسان بنفسه، فيزكي نفسه بنفسه، قال سبحانه: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا(الشمس: 9-10).

5 – ولكن كل تزكية لا يمكن أن يوَفق إليها الإنسان إلا برحمة من الله وفضل: وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(النور: 21).

6 – تزكية النفس طريق الفلاح في الدنيا والآخرة، يقول عز من قائل:

– إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى(طه: 74-76).

– وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (فاطر: 18).

7 – تزكية النفس تكون بالإيمان وعمل الصالحات، وخشية الله وإقامة الصلاة، كما في الآيتين السابقتين.

8 – زكاة النفس نتيجة خفية كالتقوى لا يعلمها إلا الله تعالى لقوله سبحانه: فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى(النجم: 23).

9 – إخراج الصدقة المفروضة وسيلة للتزكية، بدليل قوله سبحانه: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صلواتك سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(التوبة: 103)، ولذلك اختص هذا الركن، الزكاة، بهذا الاسم.

هذا مجمل ما يستخرج من ظاهر نصوص ورود مصطلح التزكية، وأما مفهوم التزكية، فقد سبق معناها اللغوي المتمثل في الطهارة والنماء، وأما بالتأمل في الآيات الكريمة لمعرفة معنى التزكية في القرآن الكريم، فيمكننا أن نقول بداية: إن هذا المصطلح له دلالة ثقيلة ضمن دلالات كلمات القرآن، وذلك للأسباب الموالية:

–  ارتباطه بالنفس الإنسانية .

– كونه من وظائف الرسول  أساسا.

– اعتباره مقصدا من مقاصد البعثة .

– ترتب الفلاح عنه.

ولأهمية تزكية النفس، أمر الله تعالى بالاستعانة عليها بالأعمال الصالحة كما سبق، حتى عد بعض الدارسين أن قوله تعالى في صفات المؤمنين: وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ(المؤمنون: 4) ، معناه: “أي: يفعلون ما يفعلون من العبادة ليزكّيهم الله، أو لِيُزَكُّوا أنفسهم، والمعنيان واحد. وليس قوله: «للزّكاة» مفعولا لقوله: فاعلون»، بل اللام فيه للعلة والقصد” (الراغب الأصفهاني/مفردات القرآن).

فارتباط المصطلح بالنفس خاصة يضفي عليه نوعا من الصعوبة على مستوى الامتثال والتطبيق، باعتبار النفس عصية على التطهير إلا لمن رحمهم الله وتفضل عليهم بتطويع أنفسهم لإرادتهم في إصلاحها، ويمكن أن نحدد خاصية لهذا المفهوم القرآني، بها يمتاز عن غيره من المصطلحات كالتقوى والإيمان مثلا، هذه الخاصية هي أنها تشمل معنى التطهير وبعده النماء المتحقق فعلا كشرط للتزكية، بمعنى أنه لا يوصف بالتزكية إلا من سار أشواطا في تطهير نفسه من الرذائل، ثم تحقق بداخله الطاهر فعلا، نماءٌ بالخير والطاعات، ولذلك اعتبر القرآن التزكية المقصد الأسمى الذي من أجله كانت النبوة، ومن ثم أسند للنبي مباشرة قيامه بتزكية الناس عن طريق تلاوة القرآن وما أوتيه من حكمة: كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ(البقرة: 151).

لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ(آل عمران: 164).

ولقد اختصت آية سورة البقرة بتقديم التزكية على التعليم: يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ، من باب ذكر الغاية قبل الوسيلة للتأكيد عليها كما قاله غير واحد من المفسرين، فهاهنا عناصر تتضافر كلها بغرض تحقيق التزكية، هذه العناصر هي تلاوة القرآن، وتعليم الكتاب والحكمة، وإن شئت فقل: إن النبي  بعث بالكتاب والحكمة بغرض تحقيق زكاة النفوس، فتكون التزكية هي أقصى ما يمكن أن يتحقق من طهارة في نفس المؤمن الذي يتعلم القرآن بالمنهج السليم في التلقي، ذلك المنهج الذي علمنا إياه الرسول ، حين تلقى القرآن بمنهج الافتقار إلى هداياته، وحين تلقاه وقد (ألقى السمع وهو شهيد)، وحين كان يحرك به لسانه ليعيه قلبه حرفا حرفا، ويفهمه حق الفهم، لينزله في حياته حق التنزيل حتى (كان خلقه القرآن)، وحين أخذ بأيدي الصحابة الكرام في دروب هذا المنهج القويم حتى تخرجوا على يديه فوجا أولا متوجين بحلل التزكية المادية والمعنوية، طاهرة قلوبهم من الشرك بالله تعالى، من الشرك بكل درجاته ومستوياته، حتى لم يعد في قلوبهم إلا الله، وعلى رضاه مدار حركاتهم وسكناتهم.

واستمروا في الترقي عبر درجات التزكية، يمدهم القرآن والسنة توجيها وتنزيلا، بمعالم طريقهم في الترقي.

فكانت هذه الدرجات مستويات للتزكية ساروها خطوة خطوة، خطوات تلامسها القلوب في خفاء، لا يحسها إلا من ذاق حلاوتها، مصداقا لقول الرسول  في الحديث الصحيح: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ» (أخرجه البخاري ومسلم).

ويشهد على أن التزكية مستويات، وعلى أنها تلامس القلب في خفاء، ورودها بصيغة التفضيل، وتعلقها بأعمال قَلَّ من يلتفت إليها في سلوك الناس، كما جاء في آيات كريمة منها قوله سبحانه:

– وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُون(البقرة: 232).

– فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ(النور: 28).

– قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ(النور: 30).

وكان نتيجة لكل ما بذله النبي  من متابعة وجهد مع الخاصة من الصحابة الكرام، أن تجلت فيهم كل الأخلاق الطيبة، تلك النتيجة التي اكتمل فيها وعبرها النموذج الذي يفترض بكل مؤمن أن يحققه في نفسه، وأن يسعى جاهدا لبلوغه، وبذلك يتم ما جاء النبي  قصدا لإتمامه عندما قال: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ» (مسند الإمام أحمد).

والله تعالى أعلم.

دة. كلثومة دخوش

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *