مع كتاب الله – مثل نقض العهد: دلالات وعبر


نلتقي من جديد في رحاب كتاب الله تعالى ومع مثل آخر من الأمثال القرآنية، إنه “مثل نقض العهد” الذي ضرب الله له مثلا في غاية الروعة والبيان والتشبيه الحسي بقوله جل جلاله: وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الاَيْمَانَ بَعْدَ تَوكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُون وَلا تَكُونُوا كالّتي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوةٍ أَنكاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمّةٌ هِي أَرْبى مِنُ أُمّةٍ إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللهُ بِهِ وَلَيُبَيّننَّ لَكُمْ يَوْمَ القِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُون(النحل: 91 – 92).

هذه الآيات الكريمات كما هو الظاهر منها تأمر بالوفاء بالعهد، ومعنى ذلك أن يلتزم الإنسان بما عليه من عهود ووعود وواجبات ومواثيق فيوفيها ولا ينقضها أو يخلفها، ويؤديها ولا يضيعها. وقد أمر الله تعالى بالوفاء بالعهد، في آيات أخر سوى هذه الآية منها قوله جل شأنه: وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولا(الإسراء: 34).

والعهود أنواع كثيرة: أبرزها وأغلظها وآكدها في الوفاء والالتزام؛ عهد الله وميثاقه الذي واثق به الإنسان، منذ الخلق الأول، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فمنذ الأزل وبين الإنسان وبين الله سبحانه وتعالى عهد عظيم مقدس؛ هو أن يعبده وحده ولا يشركَ به شيئًا، وأن لا يعبد الشيطان أو يتبع سبيله، يقول الله : أَلَمْ اَعْهَدِ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ(يـس: 60-61)، فالأمر بتخصيص الله وحده بالعبادة دون سواه؛ هو العهد الذي بيننا وبين الله تعالى، ولذلك حذرنا سبحانه وتعالى من نقض العهد وعدمِ الوفاء به، وضرب مثلا لمن كان خُلف الوعد شأنُه، ونقض العهد ديدنُه؛ -ضرب له مثلا- ينزله منزلة الأبله الأحمق، ويصفه بوصف السفيه الأخرق، عندما شبه حاله بحال تلك المرأة التي حكا الله أمرها بقوله: وَلا تَكُونُوا كالّتي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوةٍ أَنكاثاً؛ وهي امرأة من قريش تسمى سعيدة الأسدية(1)؛ “حيث ذُكر من قصتها أنها كانت امرأةً خرقاء مختلة العقل، تجمع الشَّعر والصوف، ولها جوارٍ… فكانت تغزل هي وجواريها من الغداة إلى الظهر، حتى إذا أوشكت على إتمام غزلها آخر النهار، تأمرهن فينقضن ما غزلنه ويعدنه كما كان، وهكذا كان دأبها وشأنها كل يوم، فكان حالُها إفسادَ ما كان نافعا محكما من عملها، وإرجاعَه إلى عدم الصلاح. فحذّر الله من خلال هذا المثل المؤمنين الأوائل من التشبه بصنيع هذه المرأة، وذلك بإفساد أعمالهم الصالحة بأعمال سيئة تنقضها وتُذهب بركتها وثوابها، ونهاهم عن أن يكون حالهم كحال تلك المرأة في نقضهم عهد الله، وهو عهد الإيمان بالرجوع إلى الكفر، وأعمال الجاهلية، ووجه الشبه؛ الرجوع إلى فساد بعد التلبس بصلاح” (2).

قال الطبري: “يقول تعالى ذكره ناهيا عباده عن نقض الأيمان بعد توكيدها، وآمرا بوفاء العهود، وممثلا ناقض ذلك بناقضة غزلها من بعد إبرامه وناكثته من بعد إحكامه: ولا تكونوا أيها الناس في نقضكم أيمانكم بعد توكيدها وإعطائكم الله بالوفاء بذلك العهود والمواثيق كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ، يعني: من بعد إبرام. وكان بعض أهل العربية يقول: القوة: ما غزل على طاقة واحدة ولم يثن. وقيل: إن التي كانت تفعل ذلك امرأة حمقاء معروفة بمكة” (3).

إلا أن المثل الذي نحن بصدده، بعمومه وشموله صالح لأن يضرب في مواضع عديدة، ويستفاد من التشبيه الذي فيه في حالات كثيرة؛ من ذلك ما نراه من حال بعض المسلمين خلال مواسم محددة، أو فترات، أو حالات، أو ظروف معينة -على مستوى علاقتهم بربهم- تجدهم في صلاة وصيام وقيام، وابتهال وخشوع، ودعاء وتضرع، وخوف وخشية، ومراقبة لله تعالى فيما يأتون وما يذرون، وعلى مستوى علاقتهم بالناس تجدهم كثيري النفع جزيلي العطاء والإحسان للفقراء والمساكين والمحتاجين شديدي التواد والتراحم والبر بالأقارب وعامة الناس، وهم بذلك قد أحسنوا غزل عباداتهم وطاعاتهم وأعمالهم، وحبكوا نسج علاقاتهم وأتقنوا صنعها… حتى ليتمنى المرء أن تكون حياتهم كلها على هذا الحال، وأعمالهم على هذا المنوال، لما يراه من الإقبال على الله بعبادته، والإحساس بمراقبته، والهمة على النهوض بطاعته. ولما يراه من الاستقامة وحسن التصرف والسلوك… لكن هيهات هيهات أن يدوموا على الحال فـ (دوام الحال من المحال) كما يقال، فسرعان ما يدب الفتور في حياتهم، وتخور قواهم، وتهن منهم العزائم، وتخبو شعلة الإيمان التي كانت تغدي روحهم فتمنحهم القوة في العمل لله، والجد في السير إلى الله، والمضي بثبات وعزم في طريق الله، فيعودون إلى العصيان بعد الطاعة، والاعوجاج بعد الاستقامة، والغفلة بعد المراقبة، والإساءة بعد الإحسان، والمنع بعد العطاء…

وقد يكون ذلك بغير سبب ظاهر، وقد يكون لحدث عارض، أو ابتلاء نازل، أو ضرر متوقع، أو مكروه متوهم، معتقدين أن الحياة الدنيا كلها مغانم لا مغارم، ومكاسب لا خسارة فيها؛ فينتكسون ويرجعون القهقرى؛كمن حكى الله حالهم بقوله: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنَ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا والآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ(الحج: 11). هذا حال الكثير من الناس المذبذبين في دينهم وطاعتهم واستقامتهم على دين ربهم، وسيرتهم مع الناس من حولهم؛ يرسبون في أول امتحان، وينهزمون في أول مبارزة، ويسقطون في الطريق… فهؤلاء ينقضون كل ما غزلوه، وينفشون كل ما حبكوه بعد مجاهدة وطول عناء. والسبب؛ أنهم لم يؤسسوا إيمانهم على أساس متين، وعلى تقوى من الله ورضوان؛ كما قال الله تعالى: أَفَمَنُ اسِّسَ بُنْيَانُهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنُ اسِّسَ بُنْيَانُهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(التوبة: 109).

والواجب الثبات على الحال، والحفاظ على المرتبة المتقدمة من الترقي والقرب من الله ومن عباده، وذلك بالأخذ بأسباب الخير والصلاح وتجنّبَ أسباب الشر والفساد، والحرص دائماً على سؤال الله الهداية والثبات، فالتوفيق والفلاح بيدِ الله سُبحانهُ وتعالى الذي يجب الالتجاء إليه والاستعانة به وطلب ذلك منه وحده، كما كان رسول الله  يدعوه أن يُثبّت قلبهُ على الدين، وهو من هو في العبادة والطاعة والخشية والثبات وغاية الامتثال. فقد أخرج الترمذي من حديث (شهر بن حوشب قال: قلت لأم سلمة: يا أم المؤمنين؛ ما كان أكثر دعاء رسول الله  إذا كان عندك؟ قالت: كان أكثر دعائه: “يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك”، قالت: فقلت يا رسول الله: ما أكثر دعاءك «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك»، قال: يا أم سلمة: “إنه ليس آدمي إلا وقلبه بين أصبعين من أصابع الله، فمن شاء أقام ومن شاء أزاغ”، فَتَلا معاذ: رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا، قال أبو عيسى: وهذا حديث حسن) (4).

إن العبادات التي يأتيها الإنسان، والطاعات والقربات التي يدوم عليها مدة من الزمن، والائتمار بأوامر الله، والانتهاء عن نواهيه، والاستقامة، والسلوك الحسن، والأخلاق الفاضلة التي يتحلى بها، وكل ذلك ليس تفضلا منه أو تكرما، أو منة يمنها على الله، بل هو عهد عاهد الله عليه وميثاق واثق الله به، قال تعالى: وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور(المائدة: 7). فلا يليق به -وقد أخذ عليه ربه الميثاق، وأعلن السمع والطاعة- أن ينقض الميثاق أو يخلف العهد؛ فيهدم ما بناه، وينقض ما غزله بعد طول مشقة ومكابدة، بل يستمر ويصطبر على ما هو عليه، ويستمر على الحال ما حيي، وحتى يلقى الله ربه، جاعلا نصب عينيه قول الله تعالى: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَاتِيَكَ الْيَقِينُ(الحجر: 99)، وقوله  عن عيسى : وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا(مريم: 30).

وبذلك يكون قد نجى من أن يكون كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا.

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

د. خالد العمراني

—————–

1 – ينظر تفسير ابن أبي حاتم لأبي محمد، عبد الرحمن بن محمد، ابن أبي حاتم، الرازي، (ت 327هـ).

2 – التحرير والتنوير من التفسير لمحمد الطاهر بن عاشور (ت 1393هـ)، بتصرف.

3 – جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري (ت 310هـ).

4 –  سنن الترمذي، كتاب الدعوات . للإمام الحافظ محمد بن عيسى الترمذي ( 279 هـ).

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *