افتتاحية – مقومات الأمة الحضارية..


لا توجد أمة دخلت ساحة التدافع الحضاري بغير فكرها ومقوماتها الذاتية، ولا توجد أمة ذات فكر صنعت الحضارة من غير لغتها…

وإن الأمم ذوات الحضارات أو المقومات الحضارية لا تفصل أبدا بين الفكر والدين واللغة، ولا بين العلوم ولغة العلوم والفكر والدين.

وإن الأمة المسلمة منذ أن ابتليت بالتراجع في المجال الحضاري وابتليت بآفة الاستعمار في القرنين الأخيرين والمعركة مستعرة عندها في ميدان الفكر واللغة والدين.

ففي ميدان الفكر أصبحت الأمة أمام موجة عنيفة من الارتداد عن أصولها الفكرية ومقوماتها الدينية ومنجزاتها الحضارية بسبب دعاوى وشبهات:

أولها: أن الفكر إبداع بشري نسبي متغير تحكمه عوامل اجتماعية تتغير بحسب حاجة كل قوم زمانا ومكانا. ومن ثم فليس من المعقول إعمال فهوم الأزمنة الغابرة، ولا استصحابها والاسترشاد بها في حل معضلاتنا الحاضرة.

ثانيها: أن فكرنا الحضاري فكر ديني صنعه الدين الإسلامي صنعا يصعب فيه فصل العلم عن الدين، ولا الفقه والقانون ولا الفلسفة والأخلاق عن توجيهات الإسلام، بينما عصرنا عصر التقدم العلمي والعقلنة والأنسنة، ومن هنا لم يعد سائغا أن نعود إلى هذا التراث الديني.

ثالثها: أن أمم العالم المتحضر ما تقدمت إلا بعد أن تخلت عن ماضيها الفكري الديني. وقطعت الصلة به، وانطلقت من مقوماتها الذاتية التي كانت نتيجة تقدم علمي وحركة اجتماعية وفكرية مواكبة له.

وفي ميدان اللغة تعالت الأصوات عندنا منذ فترة مبكرة برمي اللغة العربية بالقصور العلمي وعدم القدرة على الاستجابة لمتطلبات التقدم العلمي بدعوى أنها لغة أدبية ودينية، وهما صفتان تنافيان روح العلم والعصر. وأصبحت اللغة العربية في أوطاننا الإسلامية مجرد لغة الآداب، وليس لها إلا مراكز هامشية في سلم الأولويات التعليمية والرهانات المستقبلية.

وبسبب ذلك شنت على الأمة الإسلامية حملة هوجاء في التنقيص من تراثها العلمي وأصالته الحضارية؛ تراث تشكل من أصول حضارية ومقومات جوهرية هي اللغة والدين والفكر، كما شكلته عقول علمية جبارة في سائر العلوم والمجالات، حتى إنه لا يوجد في تاريخ الأمم الحاضرة أمة خدمت دينها مثلما خدمته أمة الإسلام، ولا توجد أمة خدمت لغتها كخدمتها لدينها حتى إنها ربطت قيمة لغتها بقيمة دينها مثل أمة الإسلام، ولا توجد أمة صاغت فكرها ومعارفها وعلومها وفق اللغة والدين مثلما كان أمر هذه الأمة.

وإن التراث الإسلامي بمنجزاته العلمية والحضارية تراث إنساني عالمي بجميع المقاييس، قوي الأصول ثري بالإمكانات والحلول، غني بالاجتهادات الأصيلة للعلماء الفحول، ولا يزال إلى اليوم مؤهلا للتعبير عن كل حاجات الأمة في مختلف المجالات، ولن تعود الأمة فاعلة في مسيرة التاريخ إلا يوم تجعل على رأس أولوياتها ما يلي:

أولا: دعم اللغة العربية دعما أصيلا بجعلها لغة التدريس والعلوم في مختلف مراحل التعليم وأسلاكه وشعبه وتخصصاته، والتمكين من تداولها وإشاعة استعمالاتها في مختلف ميادين المجتمع وأوصاله.

ثانيا: إعادة بناء البرامج والمقررات الدراسية بناء تحضر فيه مادة اللغة العربية بعلومها التراثية وآدابها الأصيلة التي من شأنها تكوين الملكة اللغوية العربية تفكيرا وتعبيرا وتدبيرا، وفتح باب الترجمة منها إلى غيرها من اللغات العالمية، ومن غيرها إليها وفق قواعد وأصول اللسان العربي صوتا وصرفا وتركيبا ودلالة..

ثالثا: تمكين العلوم الإسلامية من مكانتها اللائقة بها في المنظومة التعليمة والمعرفية والفكرية في مسيرة الأمة؛ فبهذه العلوم يستقيم فهم الأمة لذاتها ماضيا وحاضرا ومستقبلا، وبها لا بغيرها تجدد الأمة فكرها انطلاقا من ذاتها، وبها تخاطب غيرَها وتتفاعل التفاعل الإيجابي.

رابعا: إنشاء مراكز للدراسات الاستراتيجية الحضارية مهمتها رصد مسيرة الأمة، وقياس درجة تفاعلها مع مقوماتها الحضارية: دينا ولغة وفكرا، وتشخيص مواطن الخلل، واقتراح الحلول والتدابير الوقائية أو العلاجية.

وفي الأخير نجدد التذكير بأن الأمة تحتاج اليوم إلى جهود أصيلة وإلى حلول كلية عامة وتصور حضاري شامل ودقيق لمختلف معضلاتها الخاصة والعامة التي تهدد أصولها الجوهرية: اللغة والفكر والدين. فإذا استقامت الحلول في هذه النطاقات ورشدت العقول في هذه المجالات أَمِنَت الأمة آفات الذوبان الحضاري والأفول.

فاللهم إنا نسألك الإخلاص في الإيمان والقول والعمل، والرشد في التفكير والسلامة في التعبير، والإحسان في التدبير.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *