استهداف السنة النبوية: نظرة تاريخية


ليست قضية استهداف السنة النبوية المطهرة وليدة يوم الناس هذا، إنما هي قديمة قدم السنة نفسها، إذ لما كان الإسلام هدفا لمحاولات التشويه والتشويش منذ ظهوره، كانت سنة الرسول  جزءا من هذا الهجوم.

من أول النصوص التي تثبت صحة هذا الأمر، قول الرسول  في الحديث الذي رواه الإمام الترمذي في سننه: كتاب العلم، باب: ما نهي أن يقال عند حديث النبي ، رقم: 2663، وأبو داود في سننه: كتاب السنة، باب: في لزوم السنة، رقم: 4605 عن عبيد الله بن رافع عن أبيه أنه  قال: «لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته، يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه، فيقول: لا ندري، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه» (سنن الترمذي رقم 2663، وسنن أبي داوود رقم 4605).

وفي ذلك إعجاز نبوي بالغ بظهور فئة تزعم لنفسها الذب عن القرآن الكريم بنفي السنة المشرفة جملة وتفصيلا، جاهلة أن الكتاب والسنة لا يفرق بينهما إلا جاهل أو متنطع. وفي طليعة هؤلاء، الفرقة التي حاورها الإمام الشافعي  في كتابه الأم في مطلع كتاب “جماع العلم” مستهلا حواره معها بقوله: “لم أسمع أحدا نسبه الناس، أو نسب نفسه إلى علم، يخالف في أن فرض الله : اتباع أمر الرسول  والتسليم لحكمه… إلا فرقة سأصف قولها إن شاء الله تعالى”، مترجما لهذا الحوار بعنوان: “باب حكاية قول الطائفة التي ردت الأخبار كلها”. وقد نجح رحمه الله تعالى بأسلوبه الحجاجي البليغ، وبقوة أدلته في إقناع محاوره ودفعه إلى التسليم بكون السنة المشرفة واجب اتباعها.

لكن، هل انقطع دابر هذا التيار بعد هذا الحوار العلمي الناجح للإمام الشافعي مع خصوم سنة الرسول ؟

الظاهر أن الهجوم على السنة المشرفة لم يتوقف عند الطائفة المشار إليها آنفا، حيث إن القرن الثالث الذي يعتبر عصرا ذهبيا للسنة المشرفة، الذي ألفت فيه أمهات كتب الحديث الشريف، كمسند الإمام أحمد وصحيحي الإمامين البخاري ومسلم والسنن الأربعة وغيرها من كتب السنة. ورغم كل ذلك فإن محاولات هدم السنة المشرفة لم يفتر أصحابها ولم يضعوا معاولهم أو يخلدوا إلى الأرض، اعترافا منهم بالمجهودات المتميزة التي قام بها جهابذة السنة المطهرة وصيارفة الحديث الشريف، بل استمروا في محاولاتهم اليائسة، آملين تحقيق جزء من أهدافهم ولو كان يسيرا.

إلا أن العلماء تصدوا لكل تلك المحاولات، يحذوهم فى ذلك عزم أكيد على التصدي لكل من يروم الانتقاص من الوحي سواء فيما يتعلق بالكتاب أو بالسنة على حد سواء.

ومن أهم الكتب التي تذكر في هذا السياق، كتاب “تأويل مختلف الحديث” للإمام ابن قتيبة المتوفى سنة 276هـ، الذي خصصه للرد على أعداء الحديث والجواب على دعاوى التناقض والاختلاف بين الأحاديث الشريفة، كما ذكر بعض الشبه وكشف عوارها بما يشفي غليل كل ذي لب، منضبط للقواعد العلمية الموضوعية غير متبع للهوى و التشهي.

وعلى هذا سار علماؤنا الأجلاء يبذلون قصارى جهدهم في التصدي لكل محاولات الطعن في حديث رسول الله  إلى أن ألف الإمام السيوطي (911هـ) كتاب: “مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة” من أجل الرد على من زعم بأن حديث الرسول  لا يحتج به، مبينا بأسلوبه الفذ أن مثل هذه الآراء كهيأة الخلاء لا تذكر إلا عند داعي الضرورة، ولولا أن ريحها فاحت ما التفت إليها ولا اهتم بالجواب عليها.

والذي ينبغي أن يتنبه له القارئ الحصيف، بعد هذا الجرد التاريخي الموجز لما كتب في هذا الموضوع أن الهدف من الطعن في سنة الرسول  يختلف من طاعن إلى آخر بحسب الخلفيات والدوافع والمستويات العلمية كذلك.

وحسبنا في هذا المقام أن نشير إلى كون استهداف السنة المطهرة، لم يزل مستمرا، بل اشتد أواره في هذا العصر، مع شيوع وسائل الإعلام، وذيوع الوسائط السمعية البصرية، يستغل أصحابه ضعف الثقافة الشرعية لدى عموم الناس، متظاهرين بسلوكهم مسالك عقلية منطقية، لا ينالها خطأ، ليثبتوا بزعمهم غلط المحدثين وضعف منهجهم، وهي طعون وتشكاكات، لا علاقة لها بالمنهج العلمي الرصين من قريب أو بعيد، وتحتاج الأمة اليوم إلى تعزيز مكانة السنة النبوية في المقررات الدراسية والبرامج التكوينية بدءا من الأسرة إلى المدرسة فالجامعة فالإعلام، وإن من عظم سبل نصرة سنة رسول الله  تعلمها وتعليمها التخلق بها والاهتداء بتوجيهاتها في حياة المسلم والأمة على حد سواء.

ذ. إبراهيم بوستة

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>