إلى أن نلتقي – الخطب المنبرية… والدور المنشود (4) نص الخطبة ودوره في الاقتناع والتأثُّر  


إذا كان الخطيب والسامع يتقاسمان الدور في حصول الإقناع والتأثير، وأداء الدور المنشود للخطبة المنبرية، فإن لنص الخطبة الذي يتلقاه السامع دورا كبيرا في مساعدته على الفهم السليم حتى يقتنع بما يقوله الخطيب، وتؤدي الخطبة المنبرية بذلك دورها المنشود.

أتذكر في هذا السياق بعض الحالات التي يمكن أن أقول عنها إن نص الخطبة تكتنفه العديد من “المنغِّصات” التي تزحزحه عن أداء الدور المطلوب.

أذكر من ذلك حالتين:

الأولى تتعلق بخطبة حضرتها منذ سنوات، مشبعة بالسجع، معقدة الألفاظ، يصعب فهمها على الكثير من المتعلمين، فكيف بغيرهم، منذ البداية تبين لي أنها من الخطب القديمة التي تُتداول في كتب جامعة للخطب السنوية، كل خطبة يُكتب في بدايتها أو آخرها في أي جمعة من جمع الشهر يمكن أن تُلقى. لكن ما كنت أتصور أنها أقدم مما يظن -سوى أن يكون الخطيب، غفر الله لنا وله، قد جمع بين خطبتين- ذلك أنه في آخر الخطبة، وفي ثنايا الدعاء، قال: اللهم انصر جيوش الموحدين، فقلت لعله يقصد جيوش الدول الإسلامية، فكل شعوبها موحدة بحمد الله، لكن لما ذكر المرابطين، وأشياء شبيهة بذلك تيقنت أن الخطبة قديمة جدا، أو على الأقل خاتمتها كذلك.
وأما الثانية فخطبة أخرى، ورد فيها أن الرسول  مرض، فعاده أبو بكر ، ولما رجع إلى بيته حزن على مرض الرسول ، واشتد حزنه حتى مرض هو بذاته، فلما علم الرسول  بمرضه، تحامل على نفسه، وذهب ليعوده، فلما دخل عليه سأله عن حاله، فقال:

مرض الحبيـــــب فعدته     فمرضت من حذري عليه

وأتى الحبيب يعودنـــــي    فرأت من نظـــــــري إليـــه

إن العارف باللغة العربية وآدابها، لا يمكن أن يصدق بأن يكون هذا الكلام لأبي بكر، وإن العارف بسيرة المصطفى  ينكر هذا القول بسهولة، وإن ذا العقل المميز لطريقة الأحداث كيف يمكن أن تقع، يتساءل إلى أي حد يمكن أن يحدث هذا أو يقول أبو بكر  هذا. ولكن المستمع العادي يمكن أن يصدق هذا بسهولة؛ لأنه يتعلق بالحبيب المصطفى وبالصدّيق أبي بكر؛ ولأن الكلام من خطيب على المنبر، ومن ثم يمكن أن يذهب به الظن كل مذهب.
وللإشارة فإن البيتين ينسبان للإمام الشافعي مع أحد العلماء من طلبته يُدعى محمد بن عبد الحكم -وليس مع الإمام أحمد كما هو متداول أيضا في بعض الأخبار-، ولذلك الحدث قصة أخرى يمكن أن أعود إليها في عدد قادم بإذن الله تعالى. وإن كان البعض ينكر أن يكون الشافعي قد قال مثل هذين البيتين؛ لأنهما ليسا من طبيعة شعره.
إن لنص الخطبة دورا أساسيا في إقناع السامع بمبادئ الدين، وخاصة في علاقتها بالواقع المعيش على اختلاف تشكلاته، الأمر الذي يتطلب من الخطيب أن يكون ذا فقه بالواقع وبالتاريخ وباللغة، بعد أن يكون ذا فقه  بالدين؛ ومن ثم فإن نص الخطبة ينبغي أن تتحقق فيه عدد من الأمور منها:

– أن يكون ما يرد فيه مؤصلا ومؤيدا بما يناسب من شواهد القرآن الكريم وأحاديث الرسول ، وكذا أقوال السلف؛ لأن إرسال الكلام دون سند شرعي يسلب عن الخطب المنبرية وقارها. ولهذا أجمع أهل البلاغة والبيان على أن الخطبة التي لم توشح بالقرآن، وتزين بالصلاة على النبي  توصف بالشوهاء. وذهب بعض الأئمة -ومنهم الإمام الشافعي- إلى أن الإمام إذا خطب فلم يقرأ في خطبته شيئا من القرآن أعاد الخطبة.

– أن تكون موضوعاته ذات صلة بالواقع، ومن المفيد أن تعالج بمواقف شبيهة من مواقف السلف؛ فالتاريخ يعيد نفسه كما يقال.

– أن تكون لغته واضحة وبسيطة وغير معقدة، وتترجم المعنى المراد بيسر وسهولة. أما التقعر في الكلام باستعمال الألفاظ الغريبة واعتماد السجع، وما إلى ذلك فليس من البلاغة أو الفصاحة في شيء. ولقد روى القدماء أن رسول الله  عقّب على أحد الخطباء حينما قام خطيبا بين يديه  فقال: “ومن يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى”. فقال رسول الله : «بئس الخطيب أنت! هلا قلت: “ومن يعص الله ورسوله فقد غوى». قال الكلاعي في كتابه أحكام صنعة الكلام: “فقد كره الرسول  أن يجمع الخطيب بين الاسمين تحت حرفي الكناية لما فيهما من التسوية، وإيهام السامع بأنهما في درجة واحدة”.

أ.د. عبد الرحيم الرحموني

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *