مع أبي بكر الصديق  


أبو بكر الصديق، عبد الله بن عثمان بن أبي قحافة التميمي القرشي، وكنيته أبو بكر، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وأول الخلفاء الراشدين.

لما تقلد أبو بكر الصديق، مسؤولية الخلافة وتبعاتها، بعد رسول الله ، وبعد انتخابه ومبايعته، صعد المنبر لأول مرة، ليستقبل الجمع الغفير من المسلمين ليخطب فيهم، فقال: “أيها الناس، إني وليت عليكم ولست بخيركم، إن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، ألا وإن الضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ الحق له، ألا وإن القوي فيكم عندي ضعيف حتى آخذ منه الحق، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت فلا طاعة لي عليكم”.

بهذه الكلمات المؤمنة، والعبارات المضيئة الصادقة، استهل أبو بكر  خلافته و حكمه.

إنه يريد أن ينزع من صدور الناس وعقولهم أي وهم يجعلهم يضعون الحاكم فوق قدره ومكانته، إنه يريد أن يقر في قلوبهم أن الحكم تكليف لا تشريف أو هو تشريف بالتكليف، فهو ليس مزية ولا امتيازا إنما هو خدمة عامة، ووظيفة لا استعلاء، وهو رحمة وإحسانٌ وتواضع لا كبرياء، فالحاكم فرد في الأمة، وليس الأمة في فرد.

خرج أبو بكر كعادته إلى السوق، في اليوم الموالي لبيعته يبتغي من فضل الله، فلقيه عمر بن الخطاب ، فقال له: “إلى أين يا خليفة رسول الله؟” قال: “إلى السوق”. قال عمر: “وماذا تصنع بالسوق وقد وليت أمر المسلمين؟”. قال أبو بكر: “فمن أين أطعم أولادي؟” فأشار إليه عمر أن يذهبا معا إلى المسجد للنظر في فرض راتب لضمان قوت عياله، حتى يتفرغ لأمور الخلافة ومصالح البلاد والعباد. وفي المسجد اجتمع أبو بكر وعمر بأبي عبيدة بن الجراح أمين بيت مال المسلمين، وجماعة من كبار الصحابة، وعرض عليهم عمر بن الخطاب  رأيه، ففرضوا لأبي بكر ما يكفيه وأهله بالمعروف.

كان أبو بكر  قبل انتخابه خليفة للمسلمين، يذهب إلى بيوت العجزة واليتامى والضعفاء، ويقضي لهم حوائجهم، رأفة بهم، فلما صار خليفة، خشي هؤلاء أن يحرموا من خدمات أبي بكر لهم، وصادف أن سمع إحدى الأرامل تقول: اليوم لا تحلب لنا شاة. فقال: “بل لأحلبنها لكم”، وسارع يقرع الباب، وتفتحه طفلة صغيرة، لا تكاد تراه حتى تصيح: “صاحب الشاة يا أماه”.

كان أبو بكر  يحمل داخل صدره قلبا كبيرا، قال رسول الله  في حقه: «أرحم أمتي بأمتي أبو بكر» (رواه الترمذي).

هذا هو أبو بكر الصديق في بساطته التي كانت أهم عناصر شخصيته، هذا هو خليفة رسول الله . يروى أنه كان لأبي بكر غلام جاءه يوما بطعام فأكل منه، ثم سأله من أين أتيت بهذا الطعام؟ قال الغلام: إني كنت قد تكهنت لرجل، فخدعته لأني لا أجيد الكهانة ولا أحسنها فأعطاني هذا الطعام الذي تأكل منه، فأدخل أبو بكر  يده في حلقه وراح يتقيأ حتى قاء كل شيء في جوفه، فيقول له: رحمك الله كل هذا من أجل لقمة؟ فأجاب: “والله لو لم تخرج إلا مع نفسي لأخرجتها، فقد سمعت رسول الله  يقول: «كل لحم نبت من سحت فالنار أولى به» (رواه أحمد).

كان أبو بكر  يتقصى أخبار الولاة، ويسأل الرعية هل من أحد يشتكي من ظلم؟ هذا هو الخليفة الأول للمسلمين الذي قال عنه رسول الله : «رحم الله أبا بكر زوجني ابنته وحملني إلى دار الهجرة، وأعتق بلالاً من ماله، وما نفعني مال أحد قط كما نفعني مال أبي بكر» (رواه الترمذي).

قال على بن أبي طالب  في تأبين أبي بكر الصديق: “كنت كالجبل الذي لا تحركه العواصف ولا تزيله القواصف، كنت ضعيفا في بدنك، قويا في أمر الله، متواضعا في نفسك، عظيما عند الله، جليلا في الأرض، كبيرا عند المؤمنين، القوي عندك ضعيف حتى تأخذ الحق منه، والضعيف عندك قوي حتى تأخذ الحق له، فلا حرمنا الله أجرك ولا أضلنا بعدك”.

ومن وصية أبي بكر  لابنته عائشة رضي الله عنها: “أنظري يا عائشة ما زاد في مال أبي بكر منذ ولى هذا الأمر، فرديه على المسلمين”، فنفذت عائشة وصية أبيها رضي الله عنهما، بعد أن حصرت حصرا دقيقا وأمينا لما تركه أبو بكر، ودفعت ذلك إلى الخليفة الثاني عمر بن الخطاب ، وما كاد عمر يرى ما خلفه أبو بكر حتى انفجر بالبكاء وقال: “لقد أتعبت كل الذين يجيئون بعدك يا أبا بكر”.

قال رسول الله : «ما من عبد يسترعيه الله رعية، فلم يحطها بنصحه لم يجد رائحة الجنة» (البخاري).

نسأل الله القدير الرحيم، أن يجعلنا من المسارعين إلي الخير، السباقين إلى البر، وأن يهبنا نعمة الانتصار على أهواء نفوسنا آمين.

ذ. أحمد حسني

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *