قبسات فكرية – الحياء ذلك المستهدف


أمة الإسلام أمة متميزة اصطفاها الله سبحانه وتعالى لتكون شاهدة على الناس، مصداقا لقوله تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً (البقرة: 143)، ومناط تميزها هو كونها حاملة لرسالة الدين القيم الذي يطابق الفطرة ويخاطب الفطرة، ويستجيب لأعمق أشواقها، ويستثير فيها مجمل طاقاتها ومكنوناتها.

ومن أخص خصائص ذلك التميز خلق الحياء، ولعل هذا المعنى مما يتضمنه قول رسول الله بأن خلق الإسلام الحياء. وإنه لأمر عجيب حقا، بل ومعجز حقا، ومن ثم فهو مثير لمكامن التساؤل والتفكير، لأن اصطفاء خلق بعينه من بين حشد هائل من الأخلاق، ليكون عنوان دين، وسمة تميزه عما سواه، دليل على كونه يمثل جوهرا من جواهر ذلك الدين، ومحورا يرتبط به ويدور حوله كثير مما سواه من القيم والأخلاق.
ولعل مما يكشف وجها بارزا من وجوه هذه الحقيقة، حديث رسول الله : «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى، إذا لم تستح فاصنع ما شئت» (صحيح البخاري وابن حبان)، وصيغة الحديث وإن كان ظاهرها يكتسي معنى الأمر، فإنها ليست من الأمر في شيء، فالحديث من خلال صيغته المتميزة يعبر أبلغ تعبير عن سنة ثابتة من سنن النفس التي يقترن فيها المشروط بالشرط، أو النتائج بالمقدمات،، أو يدور فيها المعلول مع علته وجودا وعدما كما يقول الأصوليون.
وإن عملية استقرائية لأحوال الأمة الإسلامية عبر حقبها الحديثة والمعاصرة، أو منذ اللحظة التي بدأت تفقد فيها رواءها وتنسلخ عن جلدها، لتكشف بكل جلاء، عن أن قابلية الأمة للتخلي عن خصوصيتها والتفريط في هويتها، تتناسب طردا من حيث قوتها، مع مقدار ضمور خلق الحياء في نفوس الناس، على اختلاف مستويات ذلك الحياء ودرجاته وتجلياته. وأسطع تجل للحياء هو ذلك الموصول بصفة الوجل من الله جل جلاله، النابع من علم صحيح بصفاته العلا وأسمائه الحسنى، وبحقوقه على العباد،، ويعكس ملمحا من ملامح ذلك التجلي، جواب الإمام الحسن البصري رحمه الله لمن سأله عن سر زهده بقوله: علمت أن الله مطلع علي فاستحييت أن يراني على معصية ، أما أبسط تجل للحياء، فهو ذلك الذي يرتبط ببنية التقاليد والأعراف التي ارتضاها المجتمع، والتي يتشربها الأفراد من خلال عملية التنشئة الاجتماعية، عبر مؤسسة الأسرة والعلاقات الاجتماعية الأخرى التي تنتظمهم فيما يصطلح عليه بالمناخ الثقافي العام، ومن ثم فإن هذا المستوى يكتسي طابعا سلوكيا مرتبطا بالمحتوى اللاشعوري لشخصيات الأفراد، وهو إن كان على جانب كبير من الأهمية، لكونه يحدد ملامح شخصية المجتمع، فإنه أقل رقيا وفعالية ونضجا من المستوى الذي يقترن فيه السلوك بالوعي العقدي المتميز بالقصد والغائية، وهو ما لا يتحقق إلا بمستوى محترم من العلم والتثقيف.
وأول شيء أود الخلوص إليه هنا، هو أن الحياء كقيمة عليا تمثل جوهر الأمة المسلمة مستهدف عبر مستوييه معا. وإذا كان الأول قد استهدف من خلال عملية التجهيل وفصل الأمة عن دينها وميراثها العلمي، ومحاولة استئصال العلم والتدين من وجدانها الثقافي كقيمة عليا، وإحلال محلها قيما رخيصة تافهة تتمحور في مجملها حول التهالك على الدنيا دون ضابط أو معيار معنوي، فإن المستوى الثاني قد استهدف عبر مكر طويل لعب فيه التغريب السلوكي الزاحف على النمط السلوكي الموروث، دورا خطيرا، واستثمر فيه مركب النقص، وآلية الانبهار ببهارج الغالب المتمدن إلى حد بعيد.
وإذا كانت المرحلة الأولى لمسلسل التغريب قد اعتمد فيها على آلية المحاكاة والتقليد المتولدة عن الانبهار؛ فإن المرحلة التي تلتها قد اعتمدت مداخل منهجية خطط لها بإحكام، وحددت أهدافها بدقة، وسخرت فيها مكتسبات العلوم السلوكية، من أجل معرفة أعمق بدوافع السلوك، ومواطن القوة والضعف في الشخصية المسلمة. ومن أبرز مميزات هذه المرحلة النوعية، أنها قد تولت مهمة قلب المفاهيم المركزية في العقول، من قبيل مفهوم التدين، ومفهوم الحرية، ومفهوم الأسرة، ومفهوم التربية، وعلاقة الرجل بالمرأة، إلى غير ذلك مما يسفر النجاح فيه عن إنتاج نسل جديد منسلخ تماما عن أصوله، ويدين بالولاء للغرب إلى حد بعيد ومدهش، وكان من أسباب ذلك النجاح، أن إنجاز المهمة قد وكل في قسط هام منه إلى نخبة مغربة صنعت على عين المستعمر، وأمدت بكل ما يلزم من شروط وإمكانات وأدوات.
وإذا نحن شبهنا الحياء ككيان معنوي هائل ورفيع، بحصن شامخ منيف، فإننا نشبه العوامل التي تسببت في تآكل جوانبه وأطرافه، بل كثير من أعمدته وركائزه، والتي تصطدم به ليل نهار، فتنال منه في كل يوم، بمقدار قد يكون من الضآلة بحيث لا تلحظه العين المجردة، ولكن تراكم المقادير مع مرور الزمن يسفر لا محالة عن شروخ هائلة تهدد الصرح بالسقوط. وقد لا يختلف اثنان بأن أكبر سيل، بل طوفان يهاجم صرح الحياء في العصر المعاصر، هو الإعلام بشكل عام، والمرئي منه بشكل خاص، فاللقطات والمشاهد المصورة المعدة والمحبوكة بمكر وإتقان، تمارس سلطانا عارما، وتخلف أثرها البليغ في المستهدفين، والذي تتفاوت حدته بحسب مستويات هؤلاء من حيث البناء العقدي والمناعة الثقافية. ويقع في قلب تلك المشاهد ما له علاقة بالجنس؛ لأنه أبلغ مدخل يحقق به المستهدفون للحياء أهدافهم.
إن مقارنة مدققة بين أجيال ما قبل التلفزيون ومتعلقاته، وأجيال ما بعده، تكشف لنا عن فرق هائل وهوة سحيقة بين هؤلاء وأولئك. وهذه الحقيقة خليقة بأن تدفع القوى المستأمنة على آدمية الإنسان وكرامته، إلى بناء استراتيجية محكمة لمواجهة هذا المد العاتي الذي يهدف إلى مسخ الإنسان،، مسخرة ما هو متاح من إمكانيات وطاقات، لإيجاد بيئة نقية طاهرة تساعد على حماية الفئات الطاهرة من الانقراض، وعلى تنمية أخلاق الفطرة وشعب الإيمان، ومن أبرزها الحياء الذي يشكل لقاحا فعالا، وجذوة متقدة للخير، وحائلا دون السقوط إلى أسفل سافلين.

د. عبد المجيد بنمسعود

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *