اللغة العربية بين الجمود ودواعي النهوض


انتشرت اللغة العربية في أصقاع مختلفة خارج الجزيرة العربية بادئ عهد الفتوحات الإسلامية خلال فترتي الخلافات الراشدة والخلافة الأموية، والأمويون ساهموا بذلك حين عربوا الدواوين والعملات وضموا إلى الدولة الإسلامية مناطق شاسعة. وصارت العربية لغة السياسة والإدارة وكل العلوم والمعارف خلال الخلافة العباسية، وهذا النمو اللغوي تعاصر مع الازدهار في العلم والأدب، حين كتبت آلاف المجلدات والمؤلفات والمخطوطات بلسان العرب، غير أن اللغة العربية الفصحى كان يزيد تأثرها وتأثيرها في اللغات الأخرى للبلاد المفتوحة كلما اتسعت رقعة الدولة الإسلامية.

أما خلال عهد الدولة العثمانية فقد غلبت حينذاك عوامل الركود، إذ برغم إيجاد العربية لموطئ لها كلغة دين في العديد من النواحي التابعة لحكم العثمانيين كالأناضول وبلاد البلقان فقد فقدت أهميتها في مجالي العلوم والآداب، وأخذت مسافة الخلاف تتسع بين اللهجات حتى أصبح بعضها غريبا عن بعض في النطق والتعبير. واللغة العربية الفصحى تراجعت تحديدا بعد ركود الاكتشافات العلمية وهجوع الابتكار، فصارت تبين معالم التقليد في العرب، ويقول في هذا جبران خليل جبران في مقالته الجميلة ‘مستقبل اللغة العربية’:  »حياة الإنسان موكب هائل يسير دائما إلى الأمام، ومن ذلك الغبار الذهبي المتصاعد من طريقه تتكون اللغات والحكومات والمذاهب. فالأمم التي تسير في مقدمة هذا الموكب هي المبتكرة، والمبتكر مؤَثِّر، والأمم التي تمشي في مؤخرته هي المقَلِّدة، والمقَلِّد يتأثر، فلما كان الشرقيون سابقين والغربيون لاحقين كان لمدنيتنا التأثير العظيم على لغاتهم، وها قد أصبحوا هم السابقين وأمسينا نحن اللاحقين فصارت مدنيتهم بحكم الطبع ذات تأثير عظيم في لغتنا وأفكارنا وأخلاقنا »، على هذه الصورة ركدت اللغة بسبب ركود أهلها، وانحصرت في الكتب وانعزلت في المعاجم وتحنطت في الزخارف، وقد استمر هذا الانتكاس خلال القرون الأخيرة.

في بداية القرن الرابع عشر هجري شهدت اللغة العربية بعض الانتعاش نتيجة نهضة ثقافية حدثت في بلاد الشام ومصر، وقد نهض باللغة العربية الفصحى في الأدب جملة من الشعراء والأدباء ساهموا في إحيائها وبعثها، منهم أحمد شوقي وأمين الريحاني، لكن هذا النهوض باللغة العربية لم يمس حتى الآن الشق العلمي رغم انتعاشه في الجانب الأدبي، وقد عجزت الجامعات والمؤسسات العربية في تدريس العلوم باللغة العربية اعتقادا منهم أن هذه اللغة عاجزة عن هذه المهام وأن محتواها القديم لا يواكب تطور العصر، فيرد عليهم الشاعر حافظ إبراهيم وقد أخذته الحمية على هذه اللغة طويلا بأبياته التي تشتكي فيها الفصحى بنفسها:

ووسعت كتــــــــــــــــاب الله لفظــــــــــــــاً

وغايـة وما ضقت عن آيٍ به وعظات

فكيف أضيق اليوم عن وصف آلة

وتنسـيـــــــق أسمــــــــــاءٍ لمخترعـــــــــــــــــــــات

وفي بيوت لامعة لاذعة يقول وديع عقل:

لا تقل عن لغتي أم اللغاتِ

إنّها تبرأ من تلك البنـــــــــات

لغتـــــــــــــي أكـــــــرمُ أمٍّ لم تلــــد

لذويها العرب غيرَ المكرمـــــات

اليوم يتحدث أكثر من 422 مليون نسمة اللغة العربية، لكنها عربية تميل إلى الغربية ميلها إلى الفصحى، وهي لغة رسمية في كل البلاد العربية وفي بعض البلدان غير العربية، لكن رسميتها راسبة كأنه كان في ترسيمها تحنيط لها، والعربية التي يتحدث بها بلد غزتها ألسنة أجنبية صارت معها لا تكاد تبين.

فاللغة هي جزء جوهري من هوية أية أمة، وتاريخ لغة هو تاريخ أمة بالأساس، والأمم التي تجهل تاريخها سوف تجهل مستقبلها، وما المستقبل سوى جزء من التاريخ الذي لم يُعْرف، فكيف يستطيع الإنسان أن ينسى ما لا يعرف إذا كان قد نسي ما يعرف! إنه جزء من الإنسان، ومتى نسي الإنسان تاريخه ولغته أو تناساهما فقد رمى بجزء منه لا يعوض لمن يقدر قيمة الأجزاء الإنسانية.

اللغة العربية الفصحى هي لغة الهوية والقرآن، بها تحدث العرب أول ما كانوا عربا، وبها نزل الكتاب المبين ليكون لكل البشر؛ هي لغة الجمال والجلال، بها خُلِّدَت أبلغ القصائد، وبها دوِّنت أبقى المنثورات؛ هي لغة التاريخ والمستقبل، بها عرفنا تاريخنا، فكيف نعرف مستقبلنا بغيرها! هي نحن، ونحن لن نكون إلا بها، كما لم تكن هي إلا بنا!

 زكرياء ازنود

اترك تعليقا :

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *