أمتنا ناهضة رغم الجراح (3/3) الطريــــق إلى الأمــــــل


استكمالا لما بدأناه من قبل من حديث عن معنى الأمل في ظل الأجواء التي يعيشها المسلم وأمته اليوم، يأتي هذا المقال لرسم طريق عملي نتحول به من التنظير إلى التطبيق، إذ العبرة في الإسلام بالعمل لا بالكلام.

خطوات عملية لتحصيل الأمل:
1 – الارتباط الوثيق بالقرآن الكريم:
إن ارتباط المسلم بالقرآن الكريم أكبر سبب عملي لتجديد الإيمان، فالوعود الربانية في آياته تُنفثُ في روحِ المسلم روحا جديدة وثابة وأملا لا تحطمه الأزمات ولا تقوى عليه الصدمات، روح تتعالى على كل الآلام وتتجاوز كل العقبات، ذلك لأن القرآن بسحره العجيب، وتأثيره الرباني المتميز يحول نفسية المرء من نفس لا تعرف التحليق نحو الكمال إلى نفس تأنف من توافه الأموروصغارها، وعند تلاوته يستعرض المؤمن صور الصراع بين الحق والباطل التي تنتهي دائما إما بدخول أهل الباطل في الإيمان بالحق الذي دُعوا إليه، وإما بانتصار أهل الحق عليهم حال إعراضهم؛ لأن الله سبحانه قد حكم بأن العاقبة للمتقين، وقد قرأنا في التاريخ أن الجيوش الإسلامية كانت تصحب معها قارئا للقرآن يقرا على رأس الجيش سورة الأنفال حفزا لنفوسهم وتحريكا لهممهم، إن المؤمن يوقن عند قراءته للقرآن أنه منتصر على كل حال متى كان ثابتا على الحق الذي يؤمن به حتى وإن قتل أو عذب أو سجن أو أحرق، ولا يقدر عدوه على زحزحته عن الحق الذي يحمله، ويرى أن القرآن يشرح الحقيقة كما هي، شرح علام الغيوب الذي يعلم السر في السماوات والأرض، فهو يبين للمؤمنين عدة حقائق منها:
– ضعف العدو وبطلان مسلكه، مع إمكانية الانتصار عليه.
– قوة المؤمن وأحقية ما لديه من رسالة متى فهمها وتحرك لخدمتها.
– ضرورة الابتلاء مع وجوب عدم التسليم للآثار السلبية لذلك الابتلاء، بل يدعوه وجوب التخلص من تلك الآثار، والاستفادة من النتائج الإيجابية للابتلاء من التمحيص وقوة النفس والاستفادة من التجارب. فعلى المسلم أن يعالج نفسه المحبطة بالقرآن تلاوة وتدبرا ومعايشة وتطبيقا وفق برنامج دائم لا ينقطع.
2 – التخلص من آثار المعاصي:
فإن المعصية سبب في انهيار مقترفها وقت المحن والشدائد، وقد بين الله تعالى ذلك في قوله: إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا (آل عمران: 155). جاء في الموسوعة القرآنية: “يعنى أن الذين انهزموا يوم أحد كان السبب في توليهم أنهم أطاعوا الشيطان فاقترفوا ذنوبا، فلذلك منعتهم التأييد وتقوية القلوب حتى تولوا. وقيل: استزلال الشيطان إياهم هو التولي، وإنما دعاهم إليه بذنوب قد تقدمت لهم، لأن الذنب يجر إلى الذنب، كما أن الطاعة تجر إلى الطاعة”. كما أن المعاصي من أكبر أسباب الهزائم المادية والنفسية، فعلى المسلم لكي يكون ثابت الجأش أن يتخلص من المعاصي بالبعد عنها ابتداء وبالتوبة منها ابتداء، وأتبع السيئة الحسنة تمحها.
3 – العيش في رحاب العاملين:
من ترك نفسه وحيدا دون صحبة عاملة تذكِّره بالحق وتعينه عليه، فإنه مع أول نظرة لحال الأمة اليوم سيأكله الأسى، ويفضي به إلى اليأس ويسوقه إلى القعود عن فعل شيء. لكنه متى صحب أولي العزم من الرجال، وبحث عن العاملين للإسلام ونظر في وجوههم المنيرة، واستمع إلى كلماتهم المخلصة، وشاهد أحوالهم وبذلهم فإنه لا شك سيتحرك ليكون مثلهم، والعامل المتحرك لهذا الدين لن يصيبه اليأس وهو يستمد من ربه العون والنصر ويستلهم الثبات من حال هؤلاء الصلحاء.
4 – التخلص من شباك الحرب النفسية، وعدم الإصغاء للمحبطين المثبطين:
فإن الإعلام العالمي من أكبر أعماله وأخطرها تلك الحرب النفسية التي يمارسها تجاه شعوب بعينها، حيث لا يصدر إليهم إلا صور القتل والهزائم والتخلف، ويقنعهم أنه لا أمل في الخلاص ويضغط عليهم حتى يجعلهم في تبعية دائمة له، ويصدر قيَمَه على أنها القيم العالمية التي يجب على العالم كله اتباعها، وكأنها أمر مسلم لا فرار منه، ومع ضعف معاني العقيدة وشيوع المنكرات وقلة العلم في الأمة صار البعض مهزوما نفسيا، ومتى عاد المسلم إلى هويته ولجا إلى ربه كان في مأمن من الإحباط واليأس.
5 – الاستمرار في العمل والبذل مهما كانت النتائج:
إن من أكبر عوامل اكتساب الأمل أن يستمر الحامل لهذا الدين في خدمة الإسلام ونفع الناس مهما كانت الظروف وأيا كانت النتائج، فالتوقف بداية الإحباط ودوام العمل طريق الأمل، ولذلك جاء القرآن بعد هزيمة أُحدٍ مباشرة يدعو المسلمين لعدم الاستسلام لنفسية الهزيمة، وحالة الانكسار قائلا لهم: ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين (آل عمران: 139). وقديما قالوا: عليك أن تسعى وليس عليك إدراك النجاح.
وفي سبيل بعث الأمل من الضروري أن يلزم المسلم الاستعانة بالله تعالى فهو نعم المولى ونعم النصير ونعم الوكيل، ولا يتوقف عن محاسبة نفسه وتقييم أعماله، والاستفادة من تجارب الآخرين.
وختاما: فإن الاطلاع على تاريخ الأمم وتقلبات التاريخ وأحوال الشعوب ومعرفة فعل الله تعالى في الخلق حيث تفريج الكربات، وتنفيس الهموم، وكسر الظالمين، ونصرة المظلومين، وتداول الأيام كل ذلك وغيره مؤذن بروح جديدة يتبدل فيها حال المؤمن من حال اليأس إلى حالة البشرة والأمل، وأخير ليعلم المؤمن أن اليأس قرين الكفر إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون .

د. أحمد زايد

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *