يا حلب الشهباء، من أحق منا بالعزاء؟


ماذا عساي أقول يا حلب الشهباء وقد اكتسيت بلون الدماء، وتلفعت بلباس الكمد والحزن الذي تتضاءل دونه الأحزان؟ لله درك يا درة الشام العصماء، وأنت تجالدين جحافل الطغيان، وتتحدين في شموخ وإباء، حلف الشيطان البغيض الذي لم يدخر ما بجرابه السوداء، من كل ألوان الحقد والكراهية الرعناء.

يشهد رب العزة يا حلب المرابطة الصامدة المعطاء، ويشهد المؤمنون، وكل أصحاب الضمائر النقية وكل الشرفاء، بل وكل ما في الكون من عناصر الحق والنقاء، أنك كنت صادقة الوعد ثابتة الجنان، وأنت تذودين عن الشرف الرفيع، وتبذلين دمك الغالي بكل سخاء، تروين بشلالاته كل حدب وكل بطحاء، وأنت موقنة كل اليقين أن شجرة الحرية العصماء، ستطلع من أعماق الشام، مورقة مزهرة، مثمرة بآلاف الثمار، مرصعة بالجواهر الحسان، ممتدة بأغصانها الوارفة الظلال عبر كل ربوعه الفيحاء، مزدانة بأسماء المجاهدين الأبرار، مرددة نشيد المجد والفخار، لاهجة بلسان الشكر والامتنان، للواحد القهار العزيز الجبار.
أبشع به من حلف ذاك الذي التف حول جسمك الشريف كالأفعى الرقطاء، وأفرغ في شرايينك وأعصابك عصارته الناقعة السوداء، وفي خلده الأبله وخياله المريض، أنه قد نفذ فيك حكم الإعدام الذي ليس بعده بعث ولا حياة، وهيهات هيهات.
فهل في وسع الطغاة الجبناء، والشياطين الحقراء، أن يقلبوا سنن الله الثابتة الماضية، فيجعلوا الغلبة والظهور، في كفة أهل الجور والفجور؟ فالعبرة في قانون الكون كما يدركه المتبصرون العقلاء، هي بالمآلات وعواقب الأمور. يقول الله تعالى: كَتَبَ ٱللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِى إِنَّ ٱللَّهَ قَوِىٌّ عَزِيزٌ (المجادلة: 21)، ويقول سبحانه في الحديث القدسي: «من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب» (من حديث رواه البخاري). ولكنها سنن الله  في النصر والهزيمة ماضية لا تتخلف، ووظيفة الجراح، كامنة في تطهير درب الكفاح، وتصحيح السير للظفر بمعية الله ذي العزة والجلال.
لك الله يا حلب الشهباء، فليس يضيرك خذلان الخاذلين من عملاء الشيطان الأشقياء، ممن ساروا في ركابه، وسقوا من لعابه، أو ممن آثروا دعمه ونصرته بالصمت، ليعدهم في أصفيائه وأحبابه.
أنت يا حلب الشهباء، رغم الجراح والنكبة واللأواء، رغم الخراب والدمار، رغم جسيم التضحيات، رغم ما وهبته من قوافل الشهداء، فداء للحرية، ولنور الحق الأبلج الوضاء، أنت الرابحة في ميزان رب الأرض والسماء، فورب العزة سينكشف الكرب وتنفرج الأزمة، وستنبعثين من تحت الرماد كالعنقاء، فجذوة الحق ليس لها انطفاء.
لقد فرح الجزارون وفرح المخلفون بما اعتبروه تحريرا لك وأي تحرير، وشمت فيك الشامتون ممن رضعوا لبان الإيديولوجيات الحمراء والسوداء في دهاليز الخيانة والمكر، وحوزات الدجل والغدر، ولم يتحرك فيهم ساكن لدماء الأطفال والنساء والشيوخ وهي تهرق على أديمك الطاهر، وفي شعابك الفيحاء، بل راحوا يتبادلون التهاني ويتلذذون لرؤية الأشلاء الممزعة والجثث المحروقة. بل إنهم لشدة قساوة قلوبهم وتحجر نفوسهم لم يشبعوا بكل ذلك فراحوا يجهزون على من لم تسعفهم الحيلة من الضعفاء من الشيوخ والولدان، في أبشع صورة من صور العدوان الجبان.
ما ذا بقي إزاء هذا المشهد المريع والعدوان الفظيع، وأمام هذه المجازر الرهيبة من مصداقية، أو من معنى لما يسمى بمجلس الأمن، أو للمواثيق الدولية، أو لقيم حقوق الإنسان ومبادئها الكونية؟ إنه محض كذب وهراء، بل محض سخرية واستهزاء.
بل ماذا بقي من معنى لمقولة التضامن العربي أو الإسلامي؟ لا شيء غير الخواء.
من يعزي، من يا حلب الشهباء؟ يا من ضربت أروع الأمثلة في الصبر والثبات والصمود. ومن الخاسر ومن الرابح في هذه الحرب الضروس إلا الأبالسة والمجرمين؟
نحن والله يا حلب الشماء أحق منك بالعزاء؛ لأننا فقدنا أعز الأشياء، فقدنا الغيرة على العرض ففارقنا العز والبهاء، أما أنت يا أمة الله فقد أبيت إلا الشموخ والإباء في سوح المنافحة والنزال، فليباركك رب العزة والجلال. وصدق الله القائل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيل (التوبة: 38).

د. عبد المجيد بنمسعود

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *