وقفات مع آيات في أصول الدعوة وصفات الداعية 2/3


يقول الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه العزيز:

﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِين (النحل: 125).
نقف في هذه الآية على ثلاثة أصول في الدعوة:
العنصر الأول: الحكمة
قال تعالى: أدع إلى سبيل ربك بالحكمة
الحكمة كما عرفها الأستاذ الطاهر بن عاشور في التحرير والتنوير هي: “تصرف على مقتضى الحال”. فالحكمة ليست قالبا جاهزا وإنما ينبغي للداعية أن يكون حاذقا، يخاطب الناس على ما تستسيغه عقولهم لا بما يعجزون عن فهمه. قال الإمام علي : “حدثوا الناس بما يعرفون ودعوا ما ينكرون أتريدون أن يكذب الله ورسوله”. وليس من الحكمة أن تكلم الناس في الفرعيات ولا الجزئيات وهم يخالفون الأصول.
ومثال تأصيل الحكمة في التعامل مع الناس مسألة التداين، ففي القرآن فإن الأصل في التداين هو الكتابة، غير أنه يمكن من باب الحكمة في بعض الحالات أن يكون رهان مقبوضة لضمان الحق، وقد لا يحتاج إلى الكتابة إذا أمن جانب المدين لقوله تعالى: إن أمن بعضكم بعضا .
وليس من الحكمة التنازل إلى درجة السخرية والاستهزاء، قال الشاعر العراقي الفلسطيني أحمد مطر:
أأقول للكلب العقور تأدبا
دغدغ بنابك يا أخي أشلائي
العنصر الثاني: الموعظة الحسنة
قال تعالى: … والموعظة الحسنة.. .
إذا كانت الدعوة بالحكمة تخاطب العقول فتقنعها، فان الموعظة الحسنة تخاطب القلوب والعواطف فتأثر فيها وتحركها.
فهناك صنف من الناس لا يستجيبون إلا بالترغيب والترهيب والرقائق فهم يتشربون القصص ويتأثرون بها. كقصة الشخص الذي عود نفسه حمل التسبيح والإكثار من ذكر الله نتيجة تأثره بقصة الإمام أحمد مع الخباز، ذلك أن الخباز كان كثير الذكر فسأله الإمام أحمد قائلا: “إن العبد إذا أكثر الذكر استجاب الله له، فما هي الدعوة التي لم يستجب لك الله بعد”. فرد الخباز: “دعوت الله أن أرى الإمام أحمد”. فقال الإمام أحمد: “أنا هو، وقد جرني الله إليك جرا”.
العنصر الثالث: الجدل الحسن
قال تعالى: … وجادلهم بالتي أحسن…
قسم فخر الدين الرازي الناس إلى قسمين:
1 – قسم هم أناس بلغوا درجة من العلم ولهم من المؤهلات ما تمكنهم من استيعاب الحجج اليقينية، فهم نفوس زكية ذكية.
2 – قسم هم أناس عقلاء دون القسم الأول في المؤهلات، فلا يستطيعون استيعاب الحجج العقلية نخاطبهم بحسب عقولهم، يطربون بالمواعظ، هم نفوس زكية ولكن اقل ذكاء.
وأضاف محمد الغزالي قسم ثالث هم أناس يرفضون الدعوة، وهم الكفار، معرفا الكفر بأنه: “مريج من الغباء والعناد والاستكبار واحتقار الآخر وحب الدنيا…” هذا النوع يتم التعامل معه بالانطلاق من القواعد المسلمة لإسقاط حججهم بالجدل وإفحامهم.
قال الله سبحانه وتعالى:﴿ وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُون ﴾(العنكبوت: 46).
ويقول الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه العزيز: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ ولا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾ (فصلت: 33-34).
نقف في هذه الآية على ثلاثة عناصر في الدعوة:
العنصر الأول: القول الحسن
قال تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ .
على الداعية اختيار أرق العبارات وأخف الأساليب ليؤنس المدعوين ويقربهم منه بأسلوب رفيق رقيق.
العنصر الثاني: العمل الصالح
قال تعالى: … وعمل صالحا … .
هي دعوة بالحال تؤيد الدعوة بالمقال، أي انسجام قول الداعية مع فعله، فيتمثل القدوة في نفسه، وليعلم أن خطأه أعظم من خطأ غيره. والشاهد في القرآن الكريم قول شعيب لقومه: قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىَ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (هود: 88).
كذالك على الداعية أن يتمثل الصدق، فلا يخالف ظاهره باطنه.
قال الله سبحانه وتعالى: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (الزمر: 32-33).
العنصر الثالث: الاعتزاز بالإسلام
قال تعالى: .. و َقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ
أي الاعتزاز والافتخار بالانتماء إلى الإسلام، وأنه داعية ومسلم قال الشاعر:
أبي الإسلام لا أب لي سواه

علي رابحي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *