مع كتاب الله – نظرات في سورة العلق 1/3


مقدمة:

السورة مكية بالإجماع، والآيات الخمس الأولى منها من قوله تعالى: {اقرأ باسم ربك… إلى علم الإنسان ما لم يعلم هي أول ما نزل من كتاب الله  على الإطلاق. قال الألوسي بعد مناقشة المسألة وبالجملة الصحيح. كما قال البعض وهو الذي اختاره أن صَدْرَ هذه السورة الكريمة هو أول ما نزل من القرآن على الإطلاق، كيف وقد ورد حديث بدء الوحي المروي عن عائشة من أصح الأحاديث وفيه: “فجاء الملك فقال: اقرأ فقال: «قلت ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد الخ»” والظاهر أن “ما” فيه نافية بل قال النووي: هو الصواب، وذلك إنما يتصور أولا، وإلا لكان الامتناع من أشد المعاصي.
وفي موضع آخر قال: “والمروي في الصحيحين وغيرهما عن عائشة أن ذلك أول ما نزل من القرآن وهو الذي ذهب إليه أكثر الأئمة”.
ولأهمية حديث السيدة عائشة رضي الله عنها في فهم السورة ودراستها نورده بنصه وهو.
“أول ما بدئ به رسول الله من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء، فيتحنث فيه -وهو التعبد- الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاء الملك فقال: “اقرأ. قال ما أنا بقارئ. قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ. قلت ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني فقال: اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم…”، فرجع بها رسول الله يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد رضي الله عنها فقال زملوني زملوني حتى ذهب عنه الروع فقال لخديجة -وأخبرها الخبر- لقد خشيت على نفسي. فقالت خديجة: كلا والله ما يخزيك الله أبدا إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق. فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن عم خديجة، وكان امرأ تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخا كبيرا قد عمي، فقالت له خديجة: “يا ابن عم اسمع من ابن أخيك. فقال له ورقة يا ابن أخي ما ترى. فأخبره رسول الله خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعا، ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك. فقال رسول الله : أو مخرجي هم؟ قال: نعم. لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي. وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا، ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي”. (صحيح البخاري).
وباقي السورة نزل بعد ظهور أمر الرسول واحتدام المجابهة بينه وبين كفار قريش واشتداد أذاهم عليه، فقد وردت آثار تكاد تبلغ حد التواتر تفيد أن نزول القسم الأخير من السورة كان في أبي جهل.
ففي البخاري عن ابن عباس قال: قال أبو جهل: لئن رأيت محمدا يصلي عند الكعبة لأطأن على عنقه. فبلغ النبي فقال: لئن فعل لأخذته الملائكة. فنزل قوله تعالى: أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى . وروى أحمد والترمذي والنسائي وابن جرير عن ابن عباس قال: “كان رسول الله يصلي عند المقام فمر به أبو جهل بن هشام فقال: يا محمد ألم أنهك عن هذا؟ وتوعده فأغلظ له رسول الله وانتهزه فقال يا محمد بأي شيء تهددني؟ أما والله إني لأكثر هذا الوادي ناديا… فأنزل الله قوله: فليدع ناديه سندع الزبانية (قال الترمذي حسن صحيح).
ولكن تأخر نزول هذا القسم لا أثر له في وحدة جسم السورة لا مضمونا ولا شكلا كما سيتجلى إن شاء الله. وذلك وجه من وجوه إعجاز هذا القرآن الذي وإن كان لم ينزل جملة واحدة فإنه في بنائه وبناء سوره المضموني والفني كالجسد الواحد.
ب – معنى السورة الإجمالي:
يقول الله  مخاطبا مصطفاه محمدا :
1 – اقرأ وإن لم تكن قارئا، اقرأ يا محمد بإذن ربك وحوله فستستطيع؛ لأن ربك ذاك الذي يأمرك بالقراءة قدير قدرة كبيرة جدا، فهو الذي صدر عنه ذلك الفعل العظيم جدا: فعل “الخلق” خلق كل شيء وإبداعه من لا شيء، وهو الذي أوجد ذلك المخلوق العجيب جدا: “الإنسان” من شيء بسيط جدا: “علق”، دم متجمد رطب يشبه الدود الذي يتعلق بالحلق. فهل من قدر على كل ذلك من “خلق من لا شيء، ونقل من “علق بسيط إلى “إنسان” عجيب لا يقدر على نقلك من كونك، غير قارئ إلى “قارئ”؟
2 – اقرأ وتيقن أن ربك الذي يأمرك بالقراءة هو الأكرم على الإطلاق: ينعم بلا سبب ويتفضل بلا حدود، “فيسير” عليه أن يفيض عليك هذه النعمة نعمة القراءة من بحر كرمه وهو الذي أنعم بتلك النعمة العظيمة: نعمة التعلم بواسطة آلة جامدة لا حياة فيها (القلم). فالذي جعل من الجماد الميت الصامت آلة للفهم والبيان ألا يجعل منك قارئا مبينا وتاليا معلما وأنت إنسان كامل؟ ثم ما من إنسان إنسان تعلم علما أي علم، بعد أن خرج من بطن أمه لا يعلم شيئا؛ ألا وربك القدير الأكرم، هذا الذي يأمرك بأن تكون قارئا والذي أنعم عليه بذلك. فهل من كانت قدرته كذلك، وكرمه كذلك يعسر عليه الإنعام عليك بأن تصير قارئا وإن لم تكن قارئا بالقلم؟
3 – لقد كان مقتضى علم الإنسان بتلك القدرة وذلك الكرم أن يتواضع لربه، ويشكر نعمته التي لا تعد ولا تحصى، ولكن الإنسان كفور. ألا ما هكذا ينبغي أن يكون الإنسان؛ أن ينعم عليه ربه بتسوية خلقته، وتعليمه ما لم يكن يعلم…

ثم يكفر بربه الذي فعل به ذلك ويطغى… إن الإنسان ليتجاوز حده ويستكبر على ربه فيكفر به؛ إذ رأى نفسه “قد صار – بما آتاه الله غنيا عن الله، مع أن مرجعه حتما إلى ربه ومصيره في النهاية بعد الموت ليس إلا إليه، “فذائق من ألم عقابه ما لا قبل له به”.

انظر إلى هذه الأعجوبة الفريدة، انظر إلى هذا الطاغية الذي لم يكفه طغيانا أنه كفر بربه، وامتنع من الإذعان له بالصلاة له فتجاوز ذلك إلى أن ينهى غيره، لو كان تركه وشأنه؟ ألم يخطر بباله أن يكون من ينهاه هو الذي على الحق، وهو الآمر باتقاء ربه الداعي إلى ما ينجي من عذابه؟ كيف به إذا علم أن الحقيقة هي هاته؟ وكيف به وقد كذب بما جاءه من الحق وأدبر عنه، ونهى من اتبع الحق وأمر به، إذا علم أن الله كان له بالمرصاد، وأن عينه التي لا تأخذها سنة ولا نوم كانت ترى استكباره وطغيانه؟ أفلا يستحي من الله؟ أفلا يخاف غضب الله؟
4 – ألا لئن لم يرتدع هذا الطاغية، ولئن لم يكف وينته عن نهيه من اتبع الحق وأمر به “لنأخذن بمقدم رأسه، فلنصمنه ولنذلنه”، ولنسفعن مأبى السجود منه باللهب: تلك الناصية المتجبرة المتكبرة التي لا يصدر عن صاحبها إلا الكذب والإجرام. فلينتصر منا بأنصاره وأهل مجلسه، إن ظنهم ينصرونه، وليدعهم فسندع آنذاك الملائكة الغلاظ الشداد البطاشين.
5 – ألا ليس الأمر كما يزعم هذا المجرم. فإياك إياك أن تطيعه أو تستجيب لنهيه، بل اخضع لربك وحده واخشع، واذكر واشكر، وصل واسجد، وازدد قربا من ربك ما استطعت، فلا أحد سواه يستطيع ضرك وقد حماك. فإليه إليه، وعليه عليه.

د. عبد العالي حجيج

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *