مع سيرة رسول الله – السيرة الكاملة الشاملة التسمية والمفهوم (1)


مقدمة:

السيرة النبوية هي قصة النبي محمد : قصة حياته الخاصة منذ ولادته وحياته العامة منذ بعثته وما تتضمنه من طرق تنزيله لمقتضيات الوحي تبعا لتنزلاته التاريخية ومن صور تجاوبه مع أقدار الله المتنوعة بحسب تتابعها في الزمان.
السيرة النبوية بهذه المعاني هي المراد بناؤها وإنجاز مدونة جديدة فيها.. مدونة من أهم خصائصها -فوق صحة مضمونها- كمالها وشمولها، ولكل واحدة من هاتين الخصيصتين مفهومه الخاص.
وتميز المدونة المنشودة بهاتين الخصيصتين لا يعني استقلال كل واحدة منهما عن الأخرى بل إن بينهما نوعا من التلازم باعتبار أن ابتغاء كمال السيرة هو السبب المؤدي إلى تحقيق شمولها وأن الإيمان بشمولها هو شرط تحقيق كمالها والدافع إلى استكمالها. لأجل ذلك لا ينفك الكلام على مفهوم الكمال عن الإشارة إلى الشمول ولا تخلو معالجة مفهوم الشمول من الإحالة على الكمال.
فلنقارب المفهومين من خلال المبحثين الآتيين.
المبحث الأول: مفهوم كمال السيرة
طلب الكمال في مدونة السيرة النبوية المنشودة مبني على ملاحظة نقص الاستمداد في مدونات السيرة الموجودة وذلك من حيث أنها لم تستمد مادتها العلمية إلا من بعض المصادر الصالحة للاستمداد سواء في ذلك ما دون من السيرة على يد المتقدمين وما دون على يد المتأخرين.
أما المتقدمون فإنما ذهبوا فيها مذهب تدوين مروياتها المتداولة لدى السلف وترتيبها تاريخيا، ولم يذهبوا مذهب الاستقراء التام بتتبع مفرداتها في سائر المصادر ولا مذهب استنباط ما يتعلق بها.. يصدق ذلك على الواصل إلينا منها وعلى غير الواصل: ويتمثل الواصل إلينا فيما كتبه الواقدي وابن هشام، ويتمثل غير الواصل في تأليف الزهري الذي قال السهيلي عنه إنه “أول سيرة ألفت في الإسلام” (1) وتأليف ابن اسحاق(2) وهو من قال فيه ابن حجر إنه: “إمام المغازي”.(3)
وأما المتأخرون وأبرزهم ابن سيد الناس ت-734 ه وابن كثير ت- 774 ه فقد توسعا في الاستمداد قليلا فضما إلى سيرة ابن اسحاق روايات جديدة وألحقا بها أحاديث أخذاها من كتب السنة على سبيل الاستحضار لا على سبيل الاستقراء.
فابن سيد الناس في كتابه عيون الأثر في فنون المغازي والسير اجتهد في جمع ما تفرق من نصوص السيرة عند من سبقه معززة بما وجده متعلقا بها في السنة قال الدكتور فاروق حمادة عن منهجه “كان بحذو حذو ابن إسحاق، ويدخل في سياقهما يراه في الموضوع من كتب الصحاح أو من غيرها”.(4)
قال ابن سيد الناس في التقديم لكتابه: “فلما وقفت على ما جمعه الناس قديما وحديثا، من المجاميع في سير النبي ومغازيه وأيامه، إلى غير ذلك مما يتصل به، لم أر إلا مطيلا مملا، أو مقصرا بأكثر المقاصد مخلا، والمطيل إما معتن بالأسماء والأنساب والأشعار والآداب، أو آخر يأخذ كل مأخذ في جمع الطرق والروايات، ويصرف إلى ذلك ما تصل إليه القدرة من العنايات، والمقصر لا يعدو المنهج الواحد، ومع ذلك فلا بد وأن يترك كثيرا مما فيه من الفوائد، وإن كانوا رحمهم الله هم القدوة في ذلك، ومما جمعوه يستمد من أراد ما هنالك، فليس لي في هذه المجموع إلا حسن الاختيار من كلامهم، والتبرك بالدخول في نظامهم، غير أن التصنيف يكون في عشرة أنواع كما ذكره بعض العلماء، فأحدها جمع المتفرقات، وهو ما نحن فيه، فإني أرجو أن الناظر في كتابي هذا لا يجد ما ضمنته إياه في مكان ولا مكانين ولا ثلاثة ولا أكثر من ذلك، إلا بزيادة كثيرة تتعب القاصد، وتتعذر بها على أكثر الناس المقاصد، فاقتضى ذلك أن جمعت هذه الأوراق، وضمنتها كثيرا مما انتهى إليّ من نسب سَيِّدُنَا وَنَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ، ومولده، ورضاعه، وفصاله، وإقامته في بني سعد، وما عرض له هنالك من شق الصدر وغيره، ومنشأه، وكفالة عبد المطلب جده إياه إلى أن مات، وانتقاله إلى كفالة عمه أبي طالب بعد ذلك، وسفره إلى الشام، ورجوعه منه، وما وقع له في ذلك السفر من إظلال الغمامة إياه، وأخبار الكهان والرهبان عن نبوته، وتزويجه خديجة عليها السلام، ومبدأ البعث والنبوة، ونزول الوحي، وذكر قوم من السابقين الأولين في الدخول في الإسلام، وما كان من الهجرتين إلى أرض الحبشة، وانشقاق القمر، وما عرض له بمكة من الحصار بالشعب، وأمر الصحيفة، وخروجه إلى الطائف، ورجوعه بعد ذلك إلى مكة، وذكر العقبة، وبدء إسلام الأنصار، والإسراء والمعراج، وفرض الصلاة، وأخبار الهجرة إلى المدينة، ودخوله المدينة ونزوله حيث نزل، وبناء المسجد، واتخاذ المنبر، وحنين الجذع، ومغازيه وسيره وبعوثه، وما نزل من الوحي في ذلك، وعمره، وكتبه إلى الملوك، وإسلام الوفود، وحجة الوداع، ووفاته ، وغير ذلك، ثم أتبعت ذلك بذكر أعمامه وعماته، وأزواجه وأولاده، وحليته وشمائله، وعبيده وإمائه ومواليه، وخيله وسلاحه، وما يتصل بذلك مما ذكره العلماء في ذلك على سبيل الاختصار والإيجاز، سالكا في ذلك ما اقتضاه التاريخ من إيراد واقعة بعد أخرى، لا ما اقتضاه الترتيب من ضم الشيء إلى شكله ومثله، حاشا ذكر أزواجه وأولاده ، فإني لم أسق ذكرهم على ما اقتضاه التاريخ، بل دخل ذلك كله فيما اتبعت به باب المغازي والسير، من باب الحلي والشمائل، ولم أستثن من ذلك إلا ذكر تزويجه عليه السلام خديجة عليها السلام بما وقع في أمرها من أعلام النبوة”.(5)
وقريب من هذا صنيع ابن كثير فإنه كما قال الدكتور فاروق حمادة: “نهج نهجا سليما قويا بالنسبة لعصره إذ كان يسوق الأحداث عن عديد من المصادر…ونراه يعتمد في مقدمة مصادره كتب الحديث المشهورة وعلى رأسها المسند والكتب الستة وسيرة ابن إسحاق والواقدي”(6)
وعليه فمعنى كمال السيرة النبوية إجمالا كمال مدونتها المستوعبة لكل نصوص السيرة من تراث الأمة بدء بالوحي فما دونه من سائر كتب التراث.
ومعناه تفصيلا كما يلي:
معناه أن المدونة المنشودة يجب أن تبنى أولا على نصوص القرآن ذات الصلة فإن القرآن كان هو المؤسس لوقائع السيرة النبوية والمبرمج لحركة الرسول والمواكب لمسيرته والمحيط بحياته لم ينزله الله عليه جملة واحدة بل فرقه فكان ينزله عند الحاجة وبقدر الحاجة على مدى زمن الوحي كله بحيث كانت الآيات تتنزل عليه بأوامر فيعمل على إحلالها في محلها المناسب من الحياة أو تتنزل عليه بمقاصد فيجتهد في تحصيلها على أحسن ما يكون التحصيل فينشأ من ذلك واقع جديد مشتمل على أفعال وردود أفعال، وسلوكات حسنة وأخرى سيئة، وأفهام صحيحة وأخرى باطلة، ثم تتنزل آيات أخرى مصدقة لما استقام من الفهوم أو الأعمال وزكا أو مقومة لما اختل منها وزاغ، أو منشئة لأمر جديد ومقصد جديد فواقع جديد… وهكذا دواليك.
فالقرآن إذا قرئ بحسب ترتيب نزوله استمدت منه للسيرة مادة غزيرة متعلقة بها صراحة أو إيماء، واستمد منه تفصيل مراحلها وتعليل أحداثها. ولذلك فإن القرآن ينبغي اتخاذه المصدر الأول الذي تأخذ منه السيرة النبوية المرجوة مادتها الأساسية.
ومعناه أيضا أن المدونة المنشودة يجب استكمال بنائها وإثراؤها بنصوص السنة الصحيحة بأن ترتب مدونات السنة النبوية بحسب تاريخ ورود أفعال الرسول وأقواله وتقريراته وتتخذ المصدر الثاني للسيرة النبوية المطلوبة الذي يمدها بالتفاصيل والتوضيحات والتتميمات، فبما أن القرآن هو المنشئ لسنة الرسول وأن كل سنة من سننه هي التطبيق التفصيلي لآياته فإن إعادة تركيب مجموع سننه على نحو متسلسل كفيلة بأن تنتج سيرة نبوية بينة مفصلة معللة تامة تلك التي سماه الدكتور الشاهد البوشيخي “السيرة السنة”.(7)
ويدخل في مدونات السنة النبوية مدونات متونها وعلى رأسها صحيحا البخاري ومسلم ثم بقية الصحاح، قال الدكتور فاروق حمادة في صحيح البخاري هو “أغناها وأضبطها وأوفرها على هذه المادة. وإن أحاديث البخاري لو ضمت بعضها إلى بعض لخرجت منها السيرة النبوية ومعها المجتمع الإسلامي في الصدر الأول ماثلة أمام القارئ”.(8)
ويدخل فيها أيضا مدونات أسباب ورود الأحاديث ومدونات ناسخها ومنسوخها فهي كلها مظنة لأحداث السيرة.
ويدخل فيها أيضا مدونات شروح السنة النبوية فهي حافلة بما يبين مناطاتها وأسباب ورود متونها ويكشف عن مقاصدها وفوائدها والعلاقة الدلالية التي بينها، وحافلة بالجمع بين الأحاديث المختلفة باعتبار أحوالها المختلفة وببيان النسخ والتدرج وكل ذلك هو للسيرة مورد مادة غنية وجديدة هي عبارة عن سنن نبوية موضوعة كل واحدة منها في موضعها من مراحل الرسالة وأمكنتها وأشخاصها وأحوالها المتعاقبة.
ويدخل فيها أيضا كتب الشمائل لأن ما صح من شمائل الرسول سيمثل جزء كبيرا من سيرته الشخصية إذا أعيد تصنيفه وفق ترتيب وروده ولأن بعضا من وقائع سيرته في المجتمع يؤخذ من تصفح كريم أخلاقه وشريف طباعه إذ كان بشمائله يعالج أحوال النفوس البشرية من موقع كونه قدوة لمن أراد أن يتزكى.
ومعناه أيضا أن المدونة المنشودة يجب أن تتخذ الكتب ذات الطابع التاريخي مصدرا ثالثا لها وهي أنواع:
النوع الأول: كتب السيرة المشتهرة بما فيها تلك المخصصة لمغازي الرسول .
والنوع الثاني: كتب الرجال لا سيما ما فيها من تراجم الصحابة والتابعين قال الدكتور فاروق حمادة “إذا تتبعنا هذه الطبقة الأولى من كتب التاريخ حول الصحابة والتابعين ورواة الأحاديث فسنجد فيها كثيرا من الأحاديث المتعلقة بالسيرة وسنضعها في ميزان الجرح والتعديل ليعطينا قيمة كل رواية وقصة وخبر، وبضم الروايات إلى بعضها تتكامل وتتضح الأحداث”.(9)
والنوع الثالث: ما كتب عن تاريخ مكة والمدينة فإن فيه طائفة من أحداث السيرة المتعلقة بالدعوة في مكة وبالدولة في المدينة.
والنوع الرابع: ما كتب عن التاريخ العام لاسيما المؤلفات التي تعتمد الروايات المسندة فإنها تعرج على السيرة وتشتمل على معلومات متعلقة بها لا توجد في المصادر الأخرى. وورود الأسانيد بها يمكن من تقويم الروايات واعتماد ما تفردت به من صحيح الأخبار.

د. زيد بوشعراء 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 – الروض الأنف في شرح السيرة النبوية لابن هشام: 2-155
2 – بعضه وصل وبعضه لم يصل بعد ولعله يجمع من بطون الكتب التاريخية وعلى كل حال فهو مضمن في سيرة ابن هشام مهذبا منقحا، انظر مصادر السيرة النبوية وتقويمها للدكتور فاروق حمادة: 73
3 – تقريب التهذيب: 1-467
4 – مصادرالسيرة النبوية وتقويمها: 140
5 – عيون الأثر: 1-10
6 – مصادرالسيرة النبوية وتقويمها: 141
7 – انظر ما كتبه فيها في مجلة حراء عدد45 –نونبر دجنبر 2014
8 – مصادرالسيرة النبوية وتقويمها: 49-50
9 – مصادرالسيرة النبوية وتقويمها: 53

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *