مع سنة رسول الله – نصرة المؤمن لأخيه


عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله : «انصر أخاك ظالما أو مظلوما». قالوا: “يا رسول الله هذا ننصره مظلوما، فكيف ننصره ظالما؟”، قال: «تأخذ فوق يديه». (أخرجه البخاري، باب: أعن أخاك ظالما أو مظلوما)

تقديم:
الحديث الشريف يتحدث عن خلق تميز به الرعيل الأول من المسلمين، هو النصرة لإخوانهم أين ما كانوا، ومن موقعين متناقضين، ظالمين أو مظلومين، وصيغة الفعل الذي ابتدأ به الحديث: صيغة أمر، ومعلوم أن الأمر في شرع الله  يفيد الوجوب وما ترك قوم هذا الخلق إلا سلط عليهم الحق سبحانه وتعالى العقاب والعذاب قال : «إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه، أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه». (رواه أبو داود والترمذي وقال حسن صحيح). والخطاب في هذا الحديث للناس عموما: مسلمهم وكافرهم فأحرى أن يكون تاركوا هذا الخلق من المسلمين، وما واقعنا الحالي ببعيد عن هذا الحديث، نسأل الله عز وجل أن ييسر لهذه الأمة سبل الأخذ بنصرة الظالم والمظلوم.
شرح المفردات:
– انصر: فعل أمر معناه أعن وقو.
– ظالما: تكررت ماة ‘ظلم’ في القرآن الكريم 287 مرة، وظالما اسم فاعل، والظلم وضع الشيء في غير محله، وظلم الحاكم: جار واعتدى.
– مظلوما: اسم مفعول، وهو الذي وقع عليه الظلم.
– تأخذ فوق بديه: أي تعاقبه، وتقتص منه.
المعنى الإجمالي:
فقول الرسول «انصر أخاك ظالما».
والبدء بظلم الأخ: تأكيد على خطورة هذا الظلم، قال تعالى مهددا الظالمين: فويل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم . وقال تعالى: ومن يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا . وقال : ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون .
ونصرة الأخ ظالما ليس معناها إعانته على ظلمه، وإنما منعه من ذلك، وهو ما تؤكده الآية الكريمة في قوله تعالى: وإن طائفتان من المومنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الاخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين (الحجرات: 9).
وقال «اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة».
وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله قال: «من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه الله من سبع أرضين». (متفق عليه).
وعن أبي موسى قال: قال رسول الله : «إن الله يملي الظالم فإذا أخذه لم يفلته، ثم قرأ: وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد » (هود: 102) (والحديث متفق عليه).
فإذا كان للظالم كل هذا الوعيد والتهديد كان لزاما على المسلمين نصر هذا الظالم بكفه عن ذلك ومنعه وإلا كانوا مشتركين معه في الظلم بسكوتهم عن ذلك.
والحديث لم يحدد صنف الظالم، وإنما أتى مطلقا: قد يكون حاكما أو محكوما، وكل وجبت نصرته إن كان ظالما بمنعه من الظلم حسب الإمكان.
وللظلم مجالات متعددة نقتصر على بعضنا:
– ظلم الإنسان لنفسه:
قال تعالى: ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه (الطلاق: 1). وقال أيضا: وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (البقرة: 57).
وظلم العبد لنفسه يكون بتعريضها للعذاب وحرمانها من نعيم الجنة، وعدم تزكيتها وتطهيرها، فهذا اعتداء موكول للجماعة المسلمة تغييره حسب القدرة، ودون فتنة، وهذا التغيير نصرة للمسلم على نفسه، ويكون بتربيته وتوجيهه وإرشاده ونصحه ومحبة الخير له، وإذا امتنعت الجماعة المسلمة عن تغيير هذا الظلم ونصرة الظالم لنفسه تكون مشاركة في هذا الظلم فيسلط الله  عليها العذاب، قال تعالى: وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد (هود:102).
– ظلم الإنسان لغيره:
والغير هو كل ما سوى النفس، ويكون بالاعتداء عليهم بغير حق، وهذا الظلم أشد على العبد من الأول، قال تعالى: ومن يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا (الفرقان: 19). وقال أيضا: ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون (إبراهيم: 42). وقال النبي : «من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرض، أو من شيء فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه» (رواه البخاري).
– ظلم العبد لربه:
وهو أخطرها، ويكون بالشرك في عبادته تعالى، قال تعالى: إن الشرك لظلم عظيم (لقمان: 13). وقال أيضا: والكافرون هم الظالمون (البقرة:254).
أما قول الرسول : «أو مظلوما»؛
فواضح معناه كما أكد على ذلك الصحابة رضوان عليهم، وهو: أخذ الحق للأخ ممن اعتدى عليه، أو سلبه ملكا له أو غير ذلك…
وإذا كان الحق سبحانه، القوي الجبار المتكبر، كتب على نفسه العدل وعدم الظلم في مواضع كثيرة من القرآن كما في قوله تعالى: ولا يظلم ربك أحدا (الكهف:49). وقوله تعالى: وما الله يريد ظلما للعباد (غافر:31). وفي قوله تعالى: إن الله لا يظلم مثقال ذرة (النساء: 40).
كما أكدت السنة النبوية الشريفة هذا الأمر في قول الرسول في الحديث القدسي: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا…» فكيف بهذا العبد الحقير أن يلجأ لهذا الخلق الذميم، فيعيث في الأرض فسادا بظلمه، فلا يقتصر على ظلم نفسه بل يتعداه إلى الغير من كائن حي مثله، إلى باقي الموجودات المسخرة لخدمته، إلى ظلم الخالق بالإشراك معه خلقه في العبادة والخشية؟
إن هذا الظلم يستوجب من المسلمين بذل الوسع في إيقاف هذا الظالم عما بدا منه، وتحويله إلى عبد لله بالاختيار، إن أمكن، كما هو عبد بالاضطرار، وعلى رأس هؤلاء الظالمين في الأرض: حفدة القردة والخنازير عليهم اللعنة إلى يوم الدين. وهذا هو النصر المطلوب في وقتنا الحاضر. وهو واجب شرعي -دل عليه صيغة فعل الأمر- ولا يسقط بحال من الأحوال، وإنما هناك تدرج حسب القدرة والاستطاعة، انسجاما مع الحديث الشريف: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطيع فبلسانه، فإن لم يستطيع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». ولا يستثنى من تغيير هذا المنكر مسلم، فمن أوتي المال غير هذا الظلم بماله، ومن أوتي العلم غيره بعلمه، ومن أوتي القوة غيره بقوته. ومن لم يجد استعان بالدعاء.
مستفادات من الحديث:
– وجوب نصرة الظالم والمظلوم: الظالم بمنعه من الظلم، والمظلوم بالأخذ له بحقه.
– القدرة والاستطاعة شرطا النصرة حتى لا يحول الظلم إلى مظالم.
– ترك العدل يجلب الغضب والعقاب الإلهي في الدنيا والآخرة.

ذ. محمد بوزين

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *