كــرم القلــــوب 1/2


– منزلة القلب وأعماله:

إن للقلوب كسبا ككسب الجوارح وعملا كعملها، لذلك أخبرنا الله تعالى بأنه يؤاخذ بما كسبت القلوب ثوابا وعقابا، قال سبحانه: ولكن يواخذكم بما كسبت قلوبكم (البقرة: 225).

وذلك لأن أعمال القلوب أفرض على العبد من أعمال الجوارح، “وهل يميز المؤمن عن المنافق إلا بما في قلب كل واحد منهما مما يميز بينهما؟ … وعبودية القلب أعظم من عبودية الجوارح وأكثر وأدوم، فهي واجبة في كل وقت”.

وهذا ما أكده يحيى بن معاذ بقوله: “مفاوز الدنيا تقطع بالأقدام، ومفاوز الآخرة تقطع بالقلوب”.

فاللبيب الحصيف هو من يحرص على تزيين القلب الذي هو موضع نظر الله تعالى بالكسب الطيب والخلق الجميل، لأن “القلب خزانة كل جوهر للعبد نفيس، وكل معنى خطير، أولها العقل، وأجلها: معرفة الله تعالى التي هي سبب سعادة الدارين، ثم البصائر التي بها التقدم والوجاهة عند الله تعالى ثم النية الخالصة في الطاعات التي بها يتعلق ثواب الأبد، ثم أنواع العلوم والحكم التي هي شرف العبد، وسائر الأخلاق الشريفة والخصال الحميدة التي بها يحصل تفاضل الرجال، وحق لهذه الخزانة أن تحفظ وتصان عن الأدناس والآفات، وتحرس وتحرز من السراق والقطاع، وتكرم وتجل بضروب الكرامات، لئلا يلحق تلك الجواهر العزيزة دنس، ولا يظفر بها -والعياذ بالله- عدو”.

– خير ما يكسبه القلب:

وخير كسب يكسبه القلب إضافة إلى ما سبق الكرم: وكرم القلوب الرضى عن الله كما قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: “إن لكل شيء كرما، وكرم القلوب الرضى عن الله ”.

فالرضى عن الله تعالى عبادة قلبية عظيمة ودرجة إيمانية رفيعة لأنها “من أعمال القلوب نظير الجهاد من أعمال الجوارح، فإن كل واحد منهما ذروة سنام الإيمان”.

ويؤكد ذلك أبو الدرداء بقوله: “ذِرْوَةُ الْإِيمَانِ أَرْبَعُ خِلَالٍ: الصَّبْرُ لِلْحُكْمِ وَالرِّضَا بِالْقَدَرِ وَالْإِخْلَاصُ لِلتَّوَكُّلِ وَالِاسْتِسْلَامُ لِلرَّبِّ ”.

والرضى كما قال عبد الواحد بن يزيد: “الرضى باب الله الأعظم، وجنة الدنيا، ومستراح العابدين”.

وأما الجنيد فقد عرف الرضى بقوله: “الرضى هو صحة العلم الواصل إلى القلب، فإن باشر القلب حقيقة العلم أداه إلى الرضى”.

وقال الحكماء: أصل الزهد الرضى عن الله”.

وقال الفضيل بن عياض لبشر الحافي: الرضى أفضل من الزهد في الدنيا؛ لأن الراضي لا يتمنى فوق منزلته”.

فالرضى عن الله تسليم له سبحانه، يقينا بألوهيته وربوبيته، وبأفعاله وصفاته، ووصف الرضى بكرم القلوب لسرورها بالمقدور في جميع الأمور. فلا يسر بالمقدور في كل الأمور إلا القلوب الكريمة النقية التقية التي تلزم اللسان في كل غدوة وروحة قول ما أوصانا النبي  بقوله ثلاث مرات: “رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا ورسولا”، وبملازمتها تتذوق القلوب طعم الإيمان الذي يجعلها راضية مرضية، قال : «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد  نبيا ورسولا».

والرضى لا يصح إلا فيما يحسن الصبر عليه والشكر عليه؛ لأن الرضى فوق الصبر والشكر، ولا يتحقق إلا بخالص المعرفة بالله تعالى، وقد قيل لبعض الْعلماء: بما يبلغ أَهل الرضى الرضى؟ قال: “بالمعرفة، وإنما الرضى غصن من أغصان المعرفة”.

دة. رجاء عبيد

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *