حوار العدد – الدكتور محمد حسان بن حسني الطيان:أزمة اللغة العربية أزمة إنسان وليست أزمة لسان


س – كيف تنظرون إلى واقع اللغة العربية في واقعنا المعاصر؟

ج – والله واقع اللغة العربية مؤلم، وفي الحقيقة الناظر إلى هذه الحرب الضروس؛ حرب ضد اللغة تهيأت لها كل أسباب الحرب الحقيقية، وللأسف فإن أهلها لا يشعرون بذلك، كثير من أهل العربية (أي الذين يهتمون بها) أو من العرب الذين يتكلمون العربية والذين ينبغي أن يدافعوا عن لغتهم؛ لأن اللغة هي الوجدان وهي الذات وهي الهوية وهي كل شيء بالنسبة لهذا العربي، وهي الحضارة وهي الصلة بالماضي والتطلع الواضح الرؤية نحو المستقبل، وللأسف الناس لا يشعرون بهذه الحقيقة ولا يعون بها؛ ثمة غياب للوعي اللغوي وثمة غياب للأمن اللغوي. ونحن اليوم بحاجة إلى ما يرسخ مفهوم الأمن اللغوي، بمعنى أننا حين ندافع عن هذه اللغة ندافع عن ذاتنا ووجودنا وندافع عن تاريخنا وندافع عن قرآننا وإسلامنا. فواقع اللغة العربية مؤلم. يحتاج إلى الكثير من الجهود. ولكنني بكلامي هذا لست متشائما، وإنما يعني أنه ينبغي أن أجسد الواقع حتى نحاول أن نصحح في مسيرة تعليم اللغة العربية من جهة وفي بث الوعي اللغوي بين أبنائها من جهة أخرى.
س – ماذا يعني طول عمر اللغة العربية؟ هل هو عامل سلبي يدل على أنها دخلت مرحة الشيخوخة ومرحلة الرحيل والاندثار، أم هذا العمر الطويل عامل إيجابي في بقائها؟
ج – أنا أعتقد أنه عامل إيجابي حقيقي في بقائها واستمرارها وطول حياتها، ليس أبدا عاملا سلبيا، ولم تصل العربية إلى شيخوخة؛ إنما العربية شأنها شأن كل اللغات تقوى بأهلها وتضعف بأهلها، فإذا ضعف الناس ضعفت لغتهم، وإذا قوي أمرهم واشتدت سواعدهم واستحكمت أمورهم وغلبوا على الناس غلبت معهم لغتهم. فابن خلدون يقرر هذه الحقيقة ويقول: المغلوب مولع بتقليد الغالب . فلذلك نحن الآن مغلوبون للأسف، وأبناؤنا يقلدون الغالب ولا يقلدون المغلوب. ولا يسعون إلى الإنجليزية لأنها أقوى من العربية؛ معاذ الله وحاشى أن تكون الإنجليزية أقوى وأعظم من العربية، لكن أهلها هم الأقوياء وهم الذين غلبوا على الناس. فالمغلوب مولع بتقليد الغالب، أما طول عمر العربية فهو يحسب لها لا عليها، فليس هناك لغة احتفظت بثبات أركانها كما احتفظت العربية، فاللغة العربية حفظت أصولها، وطبعا هذا بفضل القرآن الكريم بلا شك، وستبقى إن شاء الله تعالى محفوظة بحفظ القرآن الكريم. وإنما الذي أريد أن أقوله هو أنه ينبغي أن نفيد من عمر العربية لنطيل في هذا العمر لا لنظن أنها بلغت الشيخوخة. أهلها شاخوا نعم، ولكن هذا شأن الحضارات، لو رجعوا إلى غابر عهدهم وقوتهم وحضارتهم لقويت معهم العربية. فأنا دائما أردد وأقول: الأزمة هي أزمة إنسان لا أزمة لسان.
س ـ في هذا السياق وأنتم تتحدثون عن الإمكانات الواسعة التي زخرت بها اللغة العربية عبر تاريخها الطويل هذه الإمكانات أعطت للغة العربية سرا من الأسرار كشأن سائر اللغات، هلا حدثتمونا عما تتميز به اللغة العربية من أسرار وما تختزنه من دقائق؟
ج – والله هذا سؤال صعب، ولماذا هو صعب؟ لأنك تريد مني أن أختزل مجلدات في كلمات، فأسرار العربية ما يحيط بها حديث عاجل، وما يحيط بها مقال وما يحيط بها كتاب. هي أسرار ما زال العلماء يَمْتَحُون منها. هي كنبع فياض والناس يأخذون من هذا النبع. وحسبي أن أشير إلى بعض هذه الأسرار بعجالة.
أنا كنت صنفت كتابا سميته ملامح من بيان اللغة العربية وجمالها نظرت فيه إلى العربية من زوايا ثلاث. قلت أنتَ يروعك في العربية البيان الساحر، والإيجاز الباهر، والثراء النادر. فأنت في هذه العربية تتقلب بين هذه النعمى، نُعْمَى البيان الساحر ونعمى الإيجاز الباهر ونعمى الثراء النادر، وأنا أمثل بأمثلة سريعة جدا ما أظنها تفي بالحاجة ولكنها تشير. وعلى أي هي إيماءات سريعة.
البيان هذا الذي إذا سمعته شعرت أن السحر يدب في جسدك، وقد سماه رسولنا السحر.
س ـ هذا الذي أتحفتنا به أستاذنا الفاضل من روعة البيان وسموه في الدقة والتعبير والإيجاز وفنون القول والتعبير هل لا تزال الحاجة قائمة إلى تدريسه وتعليمه لناشئتنا؟
ج – والله نحن بحاجة إلى نشره بين الناس، نحن بحاجة إلى أن يعود الناس إلى حب لغتهم؛ فقد فقدوا هذه الصلة مع اللغة، ظنوا أن اللغة ما هي إلا فاعل ومفعول به، ومنصوب بنزع الخافض ومقدر الحركة ووو. فأزمة المصطلحات النحوية صرفت كثيرا من الناس عن لغتهم، فاللغة ليست نحوا فقط، فالنحو قد يعين على إحاطة هذه اللغة بحصن يحميها من اللحن، لكن اللغة إنما تُكتسب بنصوصها وببيانها وبقرآنها وبحديث رسول الله وبالشعر العربي وخطب العرب وأمثال العرب؛ هكذا تكتسب اللغة وهكذا ينبغي أن نبشر باللغة، وهكذا فلنحيي اللغة.
فاللغة بحاجة إلى إحياء، والإحياء -أنا أذكر وأزعم- أنه إنما يكون من إعادة النظر في طريقة تعليم اللغة لأبنائنا. أنا أرى أنه ينبغي أن نبدأ مع الأبناء بالنصوص، ينبغي أن يطلع الأبناء على هذا البيان الساحر في أحلى أمثلته وفي أجمل روائعه وفي أسهلها أيضا، فما ينبغي أن نخوض بهم مجالات تصعب عليهم أو يشعرون بنفرة منها، إنما هو السهل الجميل الذي يسترعي الأذن ويحفظه القلب ويردده اللسان وتطرب له النفوس
س ـ في هذا السياق وأنتم تتحدثون عن إمكان إحياء اللغة العربية، ما دور النصوص القرآنية في إحياء اللغة العربية وحمايتها من الاندثار ومن عوامل اللحن وغير ذلك؟
ج – لا شك أن القرآن الكريم هو العصمة التي حفظت أصلا هذه اللغة؛ فحينما شرف الله سبحانه وتعالى هذه اللغة بإنزال قرآنه بها ارتقى بها إلى أعلى المصاف، فلا شيء يعلو شرف العربية بكون القرآن الكريم نزل بها وهو الذي حفظها بلا شك، فما كان للغة أن تصل إلينا لولا القرآن الكريم، وإلا أصبحت أمشاجا وتفاريق ولهجات ما تلبث أن تتكون كما تكونت اللاتينية، وكما انبثقت عن اللاتينية لهجات أولا ثم تطورت هذه اللهجات لتصبح لغات، وهذا شأن العربية في الواقع لذلك قالوا ارتفعت قريش بفصاحتها عن كشكشة ربيعة وعَجْعَجَة قضاعة وعنعنة تميم وتلتلة بهراء وطمطمنية حمير وغيرها من اللهجات التي كانت منتشرة. فهذا يكشكش وهذا يعجعج ….
المهم أن هذه اللهجات كانت مرشحة لتغدو لغات؛ لكن القرآن الكريم الذي نزل بلهجة قريش حفظ لنا هذه اللغة وصفَّاها؛ لأنهم كانوا يقولون إن قريشا كانت تستحسن أسهل الألفاظ وأحسنها وأيسرها، ومكانتها في مكة في الوادي في البلد الأمين تفد إليها القبائل فتصطفي أحسن الألفاظ وتترفع عن أبشع اللغات ومستقبحها.
فالقرآن الكريم حفظ لنا اللغة لكن هنا يحضرني تنبيه مهم جدا؛ لأن بعض الناس يركنون إلى حفظ القرآن الكريم للغة ويقولون: اللغة محفوظة بحفظ القرآن. هذا صحيح ولكن هذا يحتاج إلى نصرة؛ إلى أن ننصر لغتنا إن تنصروا الله ينصركم فالله سبحانه وتعالى ربط نصرنا بنصرته، وكذلك نحن إن ننصر لغتنا تنتصر، وإلا يستبدل الله قوما غيرنا، فما ندري بأيدي من تنتصر هذه اللغة، فإن لم تنتصر على أيدينا فنسأل الله السلامة لا ندري ما مصير اللغة على سلامتنا نحن. قد ينصر هذه اللغة قوم ليسوا بعرب، ونحن نسأل الله سبحانه وتعالى أن تكون نصرة اللغة على أيدينا.
س – في آخر كلمة كيف تقيمون النشرات الإنذارية التي تضمنتها تقارير عديدة تعتبر العربية مرشحة في هذا القرن للانقراض شأنها شأن كثير من اللغات التي ذكرتم كاللاتينية وغيرها؟.
ج – حقيقة هناك تقارير صدرت عن اليونيسكو، زعموا من خلالها أن العربية ستنقرض في هذا القرن، وأن هناك خمسة وعشرون لغة سنويا تنقرض، وذكر التقرير أن عدد لغات الأرض ست آلاف لغة انقرض منها ثلاث آلاف وبقي منها ثلاث آلاف إلى ما هنالك. والتقرير أعد على نحو علمي لا نستطيع نحن أن نرد على تقرير علمي؛ إنما أرى في هذا التقرير أنه جرس خطر وأرى فيه إنذارا ينذرنا معشر العرب أن تَنَبَّهُوا، أن استفيقوا، أن حافظوا على لغتكم، أن أعيدوا النظر في أساليب تعليمها وتعلمها وفي تحبيبها لأبنائكم وفي تنشئة الناشئة عليها، أن دافعوا عن أنفسكم وعن لغتكم في كل محفل في كل ناد في كل مجال قراءة أو سماعا. وهذه في الحقيقة رسالة إلى وسائل الإعلام في كل مكان أن تتقي الله في هذه اللغة؛ لأن وسائل الإعلام لها أثر كبير إما في رفع اللغة وتمكينها أو في دحضها والتهاون بها والنزول بها إلى حضيض دونه كل حضيض، فهو إنذار إذن، وهو مؤشر خطر ينبغي أن نأخذه بعين الاعتبار، وأن ننظر إليه نظرة التحليل والدراسة. فبعض الناس يقولون إن ربنا سبحانه وتعالى يقول: إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون . وهذا يكفينا؛ لا يا أخي، هذا لا يكفينا. تنزيل الذكر وحفظ الله له لا يقتضي أبدا بالضرورة أن تحفظ علينا هذه اللغة إن لم نجاهد في سبيل الحفاظ عليها. إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم نحن بحاجة إلى أن نرفع راية العربية. وأن ننصر هذه العربية بكل ما أوتينا من قوة وعند ذلك نسأل الله تعالى أن يعيننا وأن يحقق أمانينا في خيبة هذه التقارير التي خرجت. وأنا متفائل أن هذه التقارير سعود على أصحابها بالخيبة وأن العربية إن شاء الله تعالى ستبقى ما بقي قرآن يتلى بين الناس إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
شكرا فضيلة أستاذنا الكريم وإلى فرصة أخرى إن شاء الله تعالى.

أجرى الحوار:
الطيب بن المختار الوزاني

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *