الوفاء بالوعد بين الضوابط الشرعية والتسيبات الواقعية


من أبرز الظواهر التي تطفو على السطح عاليا، إبان الانتخابات، ظاهرة: إعطاء الوعود وتوزيع العهود. هكذا بلا استحضار للضوابط الشرعية، وبلا اعتبار للأضرار التي تنجم عن عدم الوفاء.

فما هو الوعد إذن؟ وما هي ضوابطه الشرعية؟ وما الأضرار الناجمة عن التلاعب به.؟
1 – تعريف الوعد:
لقد عرف علماء اللغة الوعد بتعاريف متعددة، أضبطها وأحكمها، قول ابن فارس: (الواو والعين والدال، كلمة صحيحة، تدل على ترجية بقول، يقال: وعدته أعده وعدا)(1). فالوعد إذن كلام، يفهم منه المستمع ترجيا، وآمالا مشرقة، وخيرا مرتقبا، سيحققه له صاحب الوعد. والغالب عند أهل اللغة، أن الوعد، لا ينصب إلا على الخير، والوعيد الغالب فيه الدلالة على الشر، والعرب تذم من يخلف وعده، وتمدح من يخلف وعيده، لأن إخلاف الوعد فيه نقص ومذلة، وإخلاف الوعيد فيه مكرمة وشهامة. وقديما قال قائلهم:
وإني وإن أوعدته أو وعتده
لمخلف إيعادي ومنجز موعدي
والوعد عام، يستعمل في الوعد بمعروف، كصلة الأرحام، وزيارة الأقاريب، وصحبة أصدقاء، وتعهد مريض، وغيرها من أوجه المعروف. كما يستعمل أيضا في الوعد بإنجاز عقود معاوضة ( مادية) كوعد بالبيع، أو الشراء، أو الهبة، أو الوقف، أو دفع زكاة، أو غيرها.
2 – ضوابطه الشرعية:
من أعظم النعم على هذا الأمة، هذه الشريعة الإسلامية، التي تضبط كل تعاملاتنا، حتى الكلام الذي لا نستخدم فيه إلا ألسنتنا فقط، ومن ذلك: الوعد.
وأهم ضوابطه ما يلي:
أ- وجوب الوفاء به:
ذهب إلى أن الوفاء بالوعد واجب، كثير من الفقهاء، وعدد هائل من العلماء، فهو واجب ديانة، أي من أخلف وعده أثم، ومن حق الموعود له أن يطالب الواعد بالوفاء قضائيا. على رأس القائلين بهذا، الفقيه المالكي ابن شبرمة، وإسحاق بن راهويه، وابن تيمية، وابن القيم، وهو ظاهر صنيع الإمام البخاري في صحيحه. كما ذهب هذا المذهب عدد كبير من الفقهاء المعاصرين، مثل الشيخ القرضاوي، والأمين الشنقيطي، وسليمان بن منيع، وغيرهم(2).
واستدلوا على قولهم بأدلة كثيرة، وشواهد عديدة، منها: قوله سبحانه: يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون (3). فالله سبحانه، أخبر في الآية عن مقته وغضبه ووعيده الشديد، لمن يقول قولا ولا يفعله، وصاحب الوعد داخل هنا، لأن الوعد قول، فإذا أخلف وعده مختارا وبإرادته، فهو قد خالف فعله قوله، وكان ممن يقولون ما لا يفعلون.
واستدلوا- أيضا- بقول الله جل وعلا: وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم (4). وبقوله: وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا (5). فالآيتان تأمران بالوفاء بالعهد -الوعد- وأمرهما للوجوب، وصاحب الوعد مشمول بحكمهما.
وأما من السنة، فساقوا حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله قال: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا ائتمن خان، وإذا وعد أخلف»(6). فالحديث يتضمن أوصافا ذميمة، وتعاملا ساقطا، وأخلاقا هابطة، يتصف بها المنافقون، ومنها: إخلاف الوعد، وقد ذمه الرسول ، فالمخلف لوعوده، والغادر لعهوده، متصف بصفة، يتصف بها أخبث خلق الله في الأرض، فهل يرضى مسلم هذا لنفسه. ؟؟
فهذا هو حكم شريعتنا لما نعد به من الوعود، ولما يصدر عنا من العهود، إنه الوجوب. –فيا ليت قومي يعلمون هذا-
إننا عشنا أيام الحملة الانتخابية، مع الحراك العام الذي صاحبها، فبمجرد أن ترى منتخبا -على أي وسيلة إعلامية كانت، مسموعة أو مقروءة أو مكتوبة-، إلا ويملأ سمعك بوعود ثقيلة، وعمر أذنيك بعهود جسيمة، لو بدأت تعدها واحدة واحدة، على كل القطاعات الاجتماعية، لثقل عليك الحساب. فهل هؤلاء يعلمون أن ما يقولونه من الوعود لمجتمعهم، يجب الوفاء به شرعا، ومن لم يف مختارا بإرادته الشخصية، فقد ارتكب معصية، وسينال بها إثما كبيرا.
لكن مجتمعاتنا بكثرة هاته الوعود، وما عاشته منذ زمان من تطبيع مع هذه السلوكات اقتنعت بأنه يستحيل الوفاء بجميعها، لذلك لا يعيرونها اهتماما كبيرا، ولا يلتفتون إليها ولو بلمح البصر أو هو أقرب، فأدت هذه الفوضى في الوعود، إلى فقد الثقة تماما، ومحو الصدق كليا، بين الفئة الناخبة، والفئة المنتخبة، وعوضت بدل الثقة والمصداقية، دراهم معدودة؛ وما أوصلنا إلى هذه النتيجة المريرة، وأوقعنا في وسط هذه الحقيقة المقلقة، إلا كثرة الوعود، وانعدام الوفاء بها. ها هو شرع الله يقيد ألسنتنا قبل أن تتكلم، حتى لا نقع في مثل هذا، فلو كان هؤلاء الواعدون، يعلمون أن ما وعدوا به، يجب عليهم الوفاء به، وحققوا ذلك في المجتمع، فوافق فعلهم قولهم، لاكتسبوا بذلك ثقة مجتمعاتهم، ولكبروا في أعين أتباعهم، لكن -ويا للأسف- العكس هو الذي وقع.
ب – يحرم الوعد إلا بما يستطاع الوفاء به:
هذا من أجمل الضوابط، ومن أحسن القيود التي وضعها الفقهاء، وهو عبارة عن حاجز قوي، لا يتزحزح أمام المهووسين بتشتيت الوعود، والمرضى بإطلاق العهود؛ وعود لا تعد ولا تحصى، سمعناها أيام الحملة الانتخابية، هذا يعد بالوظيفة للجميع، وهذا سيغير الوطن كله في أيام قليلة، وذاك سيقضي على الفقر بالكل، واللآخر سيحقق نموا سريعا بلا احتياج إلى ماء ولا شتاء …
علما أن المغاربة منذ أن بدأت ألانتخابات، وهم يسمعون مثل هاته الوعود، فلو كان أصحابها يوفون ولو بنصفها، لكنا متقدمين على العالم المتقدم.
لهذا وغيره. منع الشرع الوعد – أو المواعدة – إلا بما يصح وقوعه في الحال، فيحرم الوعد بشيء لا يمكن تحقيقه في الحال، والعجب من بعض الناس، يصرحون بلفظة: المواعدة أو التعاقد، وهي أبلغ في القوة والإلزام من لفظة الوعد، وقديما قال القائل: -رحمه الله تعالى-
والمنع للوعد بما لا يمكن
إيقاعه في الحال أصل بين
وعند الفقهاء المالكية قاعدة، هي من أجمع لقواعد الباب وأحكمها، قولهم: “الأصل والقاعدة، منع المواعدة بما لا يصح وقوعه في الحال حماية”(7). فالذي يعد بتوظيف مآت الآلاف من الشباب، هل يصح وقوعه هذا في الحال ؟؟
إن عدم مراعاة الضوابط الشرعية في كثير من كلامنا، تلقي بالناس في تفاهات وفي دوامة، لا يعرف أين المخرج منها، والعودة إلى ضبط تصرفاتنا أفعالا وأقوالا، بالضوابط الشرعية، يضفي على حياتنا الثقة والمصداقية والواقعية بين كل الناس.

جواد الزوين
—————-
1 – معجم مقاييس اللغة ج:2، ص:125، لابن فارس.
2 – القواعد والضوابط الفقهية للدكتور القحطاني. ج: 2، ص: 1234.
3 – سورة الصف، الآية: 2.
4 – سورة االنحل، الآية: 91.
5 – سورة الإسراء، الآية: 34.
6 – صحيح البخاري رقم: 2682.
7 – شرح المنهج المنتخب إلى قواعد المذهب، للمنجور الفاسي، ج:2، ص: 631.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *