إلى أن نلتقي – بين”دْوَازْ أَتايْ” و “لَاتَارْتْ”


أستسمح القارئ الكريم عن هذا العنوان الذي قد لا يحمل دلالة واضحة في ذاته؛ ولكن يتعلق بما حدّثني به أحد الأصدقاء عما حدَث له مساء اليوم الأخير من السنة الميلادية الماضية، مما سأقدمه بشكل حرفي تقريبا فيما يلي:

فلقد حدثني قائلا: (ذهبت مساء هذا اليوم إلى محل للحلويات لشراء حلويات مغربية أصيلة مما يصطلح عليه في كلامنا الدارج ب”دْوَازْ أَتايْ” لحملها معي في سفر لي كان مقرّرا في اليوم التالي.
وبحكم هذا السفر الذي كنت مقبلا عليه، نسيت تماما أن ذلك اليوم هو اليوم الأخير من السنة الميلادية، وأن العديد من الناس يقبلون على الاحتفال بنهاية هذه السنة أو باستقبال أخرى جديدة بشراء حلويات معينة، ومن ثَمّ كانت هناك صدمة ثلاثية الأبعاد.
الصدمة الأولى: ما وجدته من أعداد المتسولين بباب المحل.
الصدمة الثانية: أني لم أجد في المحل ما كنت أرجوه من أنواع هذه الحلويات المغربية، فلقد أخبرتني البائعة قائلة: “آلحاج، هذا اليوم تَنْديرُو غِيرْ لاتَارْتْ”.
الصدمة الثالثة: أنه بعد خروجي من المحل، لاحقني المتسولون المتجمعون هناك، وهم يقولون: “شي باراكا آلحاجْ فْهادْ الْعواشَر”).
هذا ما حدث لهذا الصديق، وهذه هي قصته، وأمّا تعليقه فهو تعليقي تقريبا.
الحدث بسيط قد يثير الضحك في بعض جوانبه، لكن دلالاته خطيرة جدا.
ومن بين هذه الدلالات أن الاحتفال برأس السنة الميلادية قد أصبح شائعا بين عدد من شرائح المجتمع، حتى إن المتسولين –رزقهم الله من فضله وجنبهم عيشة الذل والتسول- يعرفون هذا اليوم بالذات ويجعلونه من “العواشر”، ويقصدون محلات بيع الحلوى بحثاً عما يضعونه في جيوبهم، معرفةً منهم أن أُناسًا عديدين يقصدونها في هذا اليوم، مما يعني أن هذه الشرائح قد اختلط عليها بين ما هو من حضارتنا وعاداتنا وتقاليدنا، وبين ما هو من حضارة الآخرين وعاداتهم وتقاليدهم، بل وحتى ما هو من ديننا مما هو من أديان الآخرين. فلفظ “العواشر” على سبيل المثل يحمل حمولة حضارية، ويحيل على خلفية من صميم ديننا ومعتقدنا، فهو لفظ يرتبط بعدد عَشرة، والعَشَرَة في ديننا عشرتان: العشْر الأواخر من رمضان، والعشر الأوائل من ذي الحجة، وفيهما ما فيهما من خير وفضل وأجر، كما هو منصوص عليه في الآثار الصحيحة. واختزال الدارجة المغربية للعشرتين في “العواشر”، يدل على ما لهذا اللفظ في الذاكرة المغربية من حمولة دينية تفوح بعبق الخير والأجر والفضل.
وإنّ قَلْب هذه المفاهيم أو خلْطها، عن جهل أو قصد، يدل على ما يمكن أن تتعرض له شرائح اجتماعية كبيرة -نتيجة الجهل أو الفقر والحاجة- من تغيير لحقيقة الشعائر الإسلامية في سلوكاتها وإدراكاتها، قد يؤدي إلى ما لا تحمد عقباه؛ من إحلالٍ لمفاهيم لا علاقة لها بالدين، قد تكون مشوهة، وقد تكون وثنية، وقد تكون تنصيرية، وقد تكون متطرفة؛ لأن الجهل بحقيقة الدين، ثم الفقر والحاجة، من أهم المراتع الكبرى للأفكار الهدامة ومبادئ الغلو المتطرفة. والغلو والتطرف قد يكون في الإفراط والتشدد في أمور الدين، وقد يكون في التفريط فيها بالتساهل فيها والإلحاد في جوانب منها تمهيدا لإنكارها جملة وتفصيلا، وهذا أدهى وأمر.
المشهد قد يبدو بسيطا كما قلت، لكن يمكن أن تتوالد عنه أمور أخرى من قبيل ما سبق ذكره. فلو افترضنا أن شخصا آخر ذهب مضطرا أيضا لشراء مثل هذه الحلويات المغربية بعد أن حضر عنده ضيوف، ولَمّا لم يجد ما يرغب فيه منها، اشترى مضطرا حلوى رأس السنة، وقدّمها لأضيافه، فماذا سيقولون؟ حتى ولو اعتذر لهم وبين لهم ما حصل؛ بالتأكيد سيفتح لهم التخيُّل باب العديد من التأويلات.
إن الانزلاق عن المبادئ يأتي بالتدريج رويدا رويدا، فقد يكون أولا بتآلف الحواس مع المشهد المنافي لمبادئ الدين، ثم بتآلف السلوك، ثم الفكر، ليأتي التطبيع التام، ثم يليه الانحراف، إلى أن يجد المنزَلِق نفسَه في الضفة الأخرى، فيصبح المرء بذلك منسلخا عن كثير من مبادئه الحضارية ومعتقداته الدينية.
إن المشهد بقدر ما هو بسيط فإنه يعكس صورتين اجتماعيتين حضاريتين: صورة “دْوَازْ أَتايْ” بما يحمله من خلفية اجتماعية وحمولة حضارية، وصورة “لَاتَارْتْ” بما تحمله هي الأخرى من خلفية اجتماعية وحمولة حضارية.

أ.د. عبد الرحيم الرحموني

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *