أعــــــــــــــلام – العلامة جمال الدين عطية في ذمة الله


رحل صباح يوم الخميس 12 يناير 2017 العلامة والمفكر والفقيه والقانوني الأستاذ الدكتور جمال الدين عطية، عن سن يناهز 88 سنة حيث ولد في محافظة الدقهلية بجمهورية مصر العربية في 22-11-1346هـ الموافق 12-5-1928م .

مسيرته العلمية:
درس الدكتور جمال عطية القانون في كلية الحقوق بجامعة “فؤاد الأول” (القاهرة حاليا)، وتخرج فيها عام 1367هـ/ 1948م، وحاول أن يتخصص تخصصا شرعيا فحصل على دبلوم الشريعة من كلية الحقوق عام 1369هـ/ 1950م، ثم سافر إلى الكويت بعد تخرجه، ثم إلى سويسرا ليحصل على الدكتوراه من جامعة جنيف عام 1379هـ/ 1960م، ثم عاد إلى الكويت ليعمل بالمحاماة، إلى أن جاء عصر الانفتاح، وبدأ يفكر في مشروعات تحتاج إلى ذلك الانفتاح، فساهم مع آخرين في إنشاء بعض الشركات، وعادوا إلى القاهرة ثم إلى لوكسمبورج، وبدأ نشاطه في مجال البنوك؛ حيث قضى هناك إحدى عشرة سنة.
ثم عاد إلى القاهرة، وبدأ الإشراف على المعهد العالمي للفكر الإسلامي لمدة 4 سنوات منذ 1408 – 1412هـ/1988 – 1992م، وكان يقوم في المعهد بأنشطة ثقافية وعلمية مختلفة، ثم التحق بهيئة التدريس في كلية الشريعة والقانون والدراسات الإسلامية بجامعة قطر، وكان رئيس قسم القانون فيها.
تأثر الدكتور جمال عطية في أثناء دراسته في الحقوق بالشيخ عبد الوهاب خلاف، والشيخ محمد أبي زهرة، وبعض القانونيين مثل حامد زكي وسامي جنينة.
وفي خطٍّ موازٍ لهذا في الساحة الإسلامية كانت هناك اتصالات مع الشيخ محب الدين الخطيب، وعلي الطنطاوي، ومحمد أبو ريدة، وعباس العقاد، وغيرهم.
انضم الدكتور جمال الدين عطية لجماعة الإخوان المسلمين واعتقل ضمن اعتقالات الإخوان الأولى لمدة سنتين ونصف بين عامي 1368 – 1371هـ/1949 – 1952م في سجن مصر بالقلعة الذي تم هدمه فيما بعد.
تأثر بالشيخ حسن البنا بالدرجة الأولى؛ وكان دائما يحضر له درس الثلاثاء، ثم بالأستاذ محمد فريد عبد الخالق؛ حيث كان له معه درس خاص يوم الخميس، ثم بالدكتور عبد العزيز كامل.
كما تأثر بزملاء وأقران من نفس جيله منهم: الشيخ عبد البديع صقر، وسعيد رمضان، ومصطفى مؤمن، وغيرهم، يقول الدكتور عن هذه الفترة: “إنها فترة غنية بالتأثيرات؛ حيث تشكلت فيها نفسي وعقليتي”.
مؤلفاته وبحوثه العلمية:
للدكتور جمال عطية مؤلفات عديد وبحوث متنوعة مهمة تنبئ عن روح علمية تجديدية، ونظرة شاملة عميقة، وتناول فكري رصين، من أبرزها:
– تراث الفقه الإسلامي ومنهج الإفادة منه على الصعيدين الإسلامي والعالمي،
-التنظير الفقهي،
– النظرية العامة للشريعة الإسلامية،
– نحو تفعيل مقاصد الشريعة،
– علم أصول الفقه والعلوم الاجتماعية،
– الاستفادة من مناهج العلوم الشرعية في العلوم الإنسانية،
– القيم الحضارية في الإسلام،
– دور الموسوعات في تقريب التراث الإسلامي من الدارسين،
– الإطار العام للنظام الاجتماعي في الإسلام، وغيرها.
وله بعض المؤلفات والبحوث التصنيفية التي تصنف العلوم وتساعد على استيعابها وتعمل على سهولة البحث فيها مثل: تصنيف العلوم الإسلامية، ودليل الباحث في الشريعة الإسلامية باللغات الأجنبية، ومصطلحات أصول الفقه، ودليل لتكشيف القرآن الكريم وعمل مكانز لأغراض التكشيف (بالاشتراك)، ونحو مكنز إسلامي للمرأة، وأصول العلوم الإنسانية من القرآن الكريم: كشاف موضوعي بالاشتراك…
وله إلى جانب هذه الكتب مقالات عديدة ومتنوعة غطت مجالات علمية كثيرة منها: الفكر الإسلامي، والشريعة الإسلامية، والقانون الدولي العام، والسياسة الدولية، والقانون الدستوري، والأعمال المصرفية، والبنوك الإسلامية، والتأمين، وعلم المكتبات والمعلومات.
من المهام والمناصب التي تقلدها:
تقلد الدكتور جمال عطية مناصب مهام عديدة منها:
– ممارسة للمحاماة في مصر والكويت.
– أمين عام للموسوعة الفقهية بوزارة الأوقاف بالكويت
– رئيس تحرير مجلة المسلم المعاصر.
– رئيس تنفيذي للمصرف الإسلامي الدولي في لوكسمبورج (بيت التمويل الإسلامي العالمي حاليًا)، ومستشار قانوني وشرعي للمعاملات المالية والمصرفية (مكتب خاص في لوكسمبورج).
– مستشار أكاديمي للمعهد العالمي للفكر الإسلامي (واشنطن) ومدير مكتبه بالقاهرة.
– أستاذ زائر بعدد من الجامعات (الجامعة الليبية سنة 1393هـ/1973م، وكلية الشريعة جامعة قطر من 1406–1408هـ/1986-1988) ثم عمل مستقرا فيها من عام 1408-1413/1988 1993.
– عضو في جمعيات ونقابات ومراكز عالمية مثل: الجمعيات العلمية والمهنية، ونقابة المحامين القاهرة، والجمعية الدولية للقانونيين الديمقراطيين بروكسل، ونقابة المحامين الدولية لندن، والجمعية الدولية للمحامين الشبان ببروكسل، ومركز السلام العالمي من خلال القانون بواشنطن، وعضوية مجلس أمناء معهد تاريخ العلوم العربية الإسلامية بفرانكفورت، وعضوية مجلس إدارة المجلس العالمي للبحوث الإسلامية بفادوتس- لختنشتاين، وعضوية المعهد العالمي للفكر الإسلامي.
مشروعه الفكري:
عمل الدكتور جمال طيلة حياته حاملا بين جوانحه قضايا فكرية شكلت مشروعه الفكري والعلمي والعملي، وكان من أبرز معالم مشروعه الاهتمام بالقضايا الآتية تنظيرا وإسهاما:
أولا: مجلة المسلم المعاصر.
التي انطلق أول إصدار لها سنة 1974 واستمرت إلى 2016 (العدد 160)، وقد وصفها الدكتور جمال عطية في أول افتتاحية لأول عدد بأنها: “مجلة الاجتهاد”، وأنها: “تنطلق من ضرورة الاجتهاد، وتتخذه طريقًا فكريًّا، ولا تكتفي بالبحث في ضرورة فتح باب الاجتهاد في فروع الفقه، بل تتعداه إلى بحوث الاجتهاد في أصول الفقه”.
ثانيا: تجديد الفقه.
يعد الدكتور جمال عطية من أبرز الدعاة لتجديد الفقه الإسلامي، ويمثل كتابه: “تجديد الفقه الإسلامي” بالاشتراك مع الدكتور وهبة الزحيلي أقصى ما وصل إليه فكره في هذا المجال. ومن مجالات تجديد الفقه عند الدكتور جمال عطية مشروع الموسوعة الفقهية التي اقترح مشروعها في أثناء عمله بالمحاماة في الكويت على وزير الأوقاف الكويتي في ذلك الوقت.
ثالثا: تجديد أصول الفقه.
لم يكن الدكتور عطية يدعو إلى تجديد الفقه فحسب بل دعا كثيرا إلى تجديد علم أصول الفقه وكانت مجلة المسلم المعاصر فضاء نشر فيه كثيرا من آرائه وآراء كثير من المفكرين المسلمين المعاصرين في هذا المجال، منها مقاله: “تجديد الفكر الاجتهادي”، الذي بين فيه حكم وكيفية توسيع مجال الاجتهاد عن المفهوم التقليدي الفقهي. ومدى الحاجة إلى تجديد المنهج كما أورد فيه بعض مسائل التجديد في أصول الفقه، مثل: العلة والحكمة، ومباحث مقاصد الشريعة والاستنباط من القواعد والاستدلال بالمقاصد.
رابعا: القواعد الفقهية.
حيث ظهر لديه هذا الاهتمام مبكرا خاصة كتابه “التنظير الفقهي” حيث كان هذا الكتاب سببا لاستدعائه لمشروع “معلمة القواعد الفقهية” التابع لمجمع الفقه الإسلامي في جدة المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي.
خامسا: مقاصد الشريعة:
حيث تجلى اهتمامه بهذا المجال تأليفا ودعوة إلى تجديد المقاصد وتفعيلها ويمثل كتابه :”نحو تفعيل مقاصد الشريعة” خير مثال في هذا المجال.
سادس: البنوك الإسلامية.
وقد برز اهتمامه بهذا المجال مبكرا قبل ظهور البنوك الإسلامية وكان إسهامه بالدعوة والمشاركة في لجان تأسيسية وبالتأليف وتقديم مشاريع وتصورات.
فرحم الله تعالى الدكتور جمال الدين عطية رحمة واسعة، وخلف الأمة في هذا الرزء.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *