من شروط الدعوة و الهداية 1/3


الدعوة فن يجيده الدعاة الصادقون باعتبارهم ورثة الأنبياء، فالداعية مطالب ابتداء بتقوى الله في الميثاق الذي يحمله من معلم الخير نبي الرحمة ، والإتقان في أداء الأمانة الملقاة على عاتقه بكل مسؤولية، وأداء الرسالة كما أرادها الله سبحانه وتعالى. لأن الدعاة هم رسل الهداية ومشاعل الحق والخير وقادة السفينة، فبصلاحهم تصلح الأمور،وأي خطأ يرتكبونه سيؤثر على الأمة.

ولابد للداعية من زاد علمي، وإلمام بلوازم الدعوة وأساليبها ووسائلها الكفيلة بإعانته على أداء مهمته وتبليغ رسالته على الوجه السليم.

وقد وضع القرآن الحكيم معالم الخطاب الديني ورسم منهج الدعوة في آية كريمة من سوره المكية، حين قال: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (النحل: 125).

فالخطاب في الآية موجه إلى الرسول الكريم  ومن خلاله إلى الأمة من بعده للدعوة إلى هذا الذين. وفي هذا يقول القران الكريم أيضا مخاطبا الحبيب المصطفى:

– قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِين﴾ (يوسف: 108).

– وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (فصلت: 33-34).

-﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (آل عمران: 104).

-﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (السجدة: 24).

-﴿قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لّا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنتَ مَكَانًا سُوًى قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (طه: 56-58).

من خلال هذه الآيات الكريمات نستخرج أركان الدعوة وما تيسر من عناصرها:

الركن هو ما لا يتصور وجود الشيء إلا به، لذا هو شرط وجوب. وأركان الدعوة أربعة هي:

1 – الداعية أو الداعي.

2 – المدعو.

3 – المدعو إليه أو الرسالة.

4 – الدعوة نفسها.

وهذه الأركان تحتاج إلى وقفات وشروط.

وكما نعلم فإن العمل الإسلامي يسعى دائما إلى الكمال، أي مرتبة الإحسان واختيار الفعل الحسن الممكن. فإننا سنبحث عن العناصر الخادمة لأركان الدعوة والتي تعتبر شروط كمال في ممارسة الدعوة.

يقول الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه العزيز:﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (يوسف: 108).

نقف في هذه الآية على عنصرين في الدعوة:

العنصر الأول: البصيرة

والشاهد عندنا (على بصيرة) أي: على الحجة والعلم واليقين. كقوله تعالى في موضع آخر (بل الإنسان على نفسه بصيرة) أي حجة على نفسه.

والبصيرة في تحققها لابد من طلبها على وجوه ثلاثة هي:

أ – فقه الدين، أو فقه الرسالة،  أو فقه ما تدعو إليه.

ب – فقه الواقع الذي تمارس فيه الدعوة.

ت – فقه التنزيل أو فقه الدعوة والتبليغ.

أ – فقه الدين أو فقه الرسالة أو فقه ما تدعو إليه.

يقول محمد الغزالي: “إن الدعوة الإسلامية لتجني الشوك من أناس قليلي الفقه كثيري الحركة”؛ وهم يضنون أنهم يحسنون صنعا.

فلا شك أن الله سبحانه بحكمته وعلمه ورحمته وعدله، جعل كل حكم شرعي هو وعاء لجزء من علم الله وحكمته ورحمته وعدله. وبالتالي فكل إنسان يعمل بالحكم الشرعي فهو يستفيد من هذه الصفات الإلهية بقصد أو غير قصد والمخالف فوتها على نفسه.

فلا يصح أن تكون الدعوة بدون علم، فأول خطاب الله سبحانه وتعالى لرسوله  ومن خلاله إلى كافة المسلمين هو (اقرأ).

ب – فقه الواقع الذي تمارس فيه الدعوة.

الواقع لا يمكن أن نوقفه، غير أنه يمكن أن نؤثر فيه. فنقيس الواقع بمقياس ما ندعو إليه. وهو ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

1 – قسم يوافق ما جاء به الشرع، وهم أصل لبداية الدعوة ومنطلقها، يصفهم فخر الذين الرازي بالأنفس الزكية الذكية.

2 – قسم مخالف ورافض للشرع، فالدعوة معهم تأتي على إتيان الجديد لأنهم مرتبطون ارتباطا بالأشياء،  فلا يؤمنون إلا بتقديم البدائل عن أشيائهم فيجعلونها وسائط لإيمانهم.

3 – قسم بين هذا وذاك يوافق الشريعة في الظاهر ويخالفها في المقصد فالتعامل مع هؤلاء يتم:

أولا – بالبحث عن القواسم المشتركة معهم في الحق ومواضع الاتفاق في الكليات العقلية الانسانية والأخلاقية للتقرب إلى قلوبهم، ثم بعد ذلك محاولة تغيير ما هو مخالف للشرع، ولهذا كانت رسائل سيدنا محمد  إلى ملوك أهل الكتاب مختومة بهذه الآية: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ (آل عمران:64).

ثانيا – وضع الإنسان المدعو في قيمة ما فعله هو، وهي الطريقة التي سلكها الرسول الكريم  مع أبي بن كعب عندما عرفه أن العلم ليس هو دائما الجديد ولكن معرفة قيمة ما تعلم (فلم تكن السورة العظيمة التي ارتقب هذا الصحابي تعلمها من رسول الله  سوى سورة الفاتحة).

ت – فقه التنزيل أو فقه الدعوة والتبليغ.

إن تنزيل الدعوة من خلال توجيه القرآن الكريم يعتمد أساسا النظر إلى الناس بالرحمة. قال الله سبحانه وتعالى: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيم﴾ (التوبة: 129).

من خلال الآية تتمثل مظاهر الرحمة في العزة والحرص:

1 – العزة:

يشق عليه عنتكم، أي أن كل ما أصاب الإنسان من الحزن إلا ووقع ذلك في قلب رسول الله ، وكل ما وقع له من الفرح إلا وسبق ذلك إلى قلبه . قال الله سبحانه وتعالى: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِك (آل عمران:159)

2 – الحرص:

الإصرار والتمسك، ويتجلى حرص رسول الله الكريم  على هداية الأمة في كثير من مواقفه. منها عندما اشتد أذى المشركين عليه  فنزل ملك الجبال  وقال: “إن شئت أطبقت عليه الأخشبين” فرد عليه نبي الرحمة  معترضا: «لا إني أسأل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به  شيئا».

ويتكرر هذا المشهد مع النبي نوح  الذي لم ييأس من دعوة ابنه العاق كنعان فقال له لحظة الطوفان: يا بني اركب معناوفي الخطاب إشارة إلى النجاة المادي من الطوفان والمعنوي بالإيمان. لأن كنعان كان لا يعرف حلاوة الإيمان فخاطبه بما يعرف وهو الركوب. والشاهد قوله: ولا تكن مع الكافرين.

ومما يعين على الحرص الرضا بالإشارات التي يرسلها المدعو على قلتها. فهذا الشيطان نفسه يقنع بالقليل ليخرج المدعو إلى ساحته ويصرفه عن الأهم إلى المهم. فالأولى أن يرضى الداعية بالقليل ويمارس هذا المنطق. قال رسول الله : «إن الشيطان أيس أن يعبد في أرضكم هذه، لكنه يقنع بالقليل من خطاياكم».

العنصر الثاني: عدم الإشراك

الشاهد عندنا قوله: …وما أنا من المشركين

عدم الإشراك هو الإخلاص في الدعوة والعمل، فإذا دخل في مقصد الداعي إلى الله غير الله فسدت الدعوة، كأن يتطلع الداعية إلى مكاسب دنيوية زائلة وإلى حطام فان.

قال الله سبحانه وتعالى: مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ (آل عمران: 79).

يتبع

علي رابحي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *