مع كتاب الله ـ مفهوم التوبة في القرآن الكريم


التوبة في اللغة ترك الذنب على أجمل الوجوه، وهو أبلغ وجوه الاعتذار، وأصل التوبة الرجوع.

والتوبة في الشرع ترك العبد الذنب لقبحه والندم على ما فرط منه والعزيمة على ترك المعاودة وتدارك ما أمكنه أن يتدارك من الأعمال بالإعادة، كما جاء في كتاب المفردات.

هذا عن توبة العبد، وتكون التوبة مسندة إلى الله تعالى، بمعنى قبول التوبة مـن عباده، كما ما جاء في قوله تعالى: فتَلَقّى آدم من ربّه كلماتٍ فتاب عَليه إنّه هُو التوابُ الرحيم﴾ (البقرة: 36).

وحكم توبة العبد أنها واجبة اتفاقا، ووجوبها على الفور، ولا يجـوز تأخيرها (انظر مثلا كلام النووي -صحيح مسلم-هامش9/17/59)، وفضلها يبينه الرسول  في قوله: «لَلّهُ أشد فَرَحا بتوبة عبده المؤمن من رجل في أرض دَويةٍ مهلكة معـه راحلته عليها طعامه وشرابه فنـام فاستيقظ وقد ذهبت، فطلبها حتى أدركه العطش ثم قال أرجع إلى مكاني الذي كنت فيه فأنام حتى أموت فوضع رأسه على ساعده ليموت فاستيقظ وعنـده راحلته وعليها زاده وطعامه وشرابه، فالله أشد فرحا بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته وزاده» (الحديث متفق عليه).

وهذا المعنى جـاء مفسرا لقوله سبحانه: ﴿إنّ الله يحِبُّ التَّوَّابينَ ويُحِـبُّ المتَطَهِّرين﴾ (البقرة: 220).

ولقد ورد مصطلح التوبة في القرآن الكريم سبعا وثمانين مـرة، منها ما هـو مسند إلى الله تعالى بمعنى قبوله لتوبة عباده، ومنها ما هو مسـند إلى العباد بمعنى رجوعهم إلى ربهم وترك ذنوبهم.

وورد النوع الثاني في اثنين وخمسين موضعا من الذكر الحكيم، وأهم ما يلاحظ على هذا النوع أن التوبة وردت في معظم مواضعها مقترنة بغيرها، وذلـك على الشكل التالي:

بالعمل الصالح أربعة عشر مرة منها قوله سبحانه:﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بعْدِ ظُلْمِه وأَصْلَح فإنَّ الله يَتُوبُ عَلَيْه إنَّ الله غفور رحيم﴾ (المائدة: 41).

بالاستغفار خمس مرات، كما جاء على لسان هود  في قـوله سبحانه: ويا قَوْمِي اسْتَغْفِروا رَبَّكُم ثُمّ تُوبوا إِلَيْه يُرْسِل السّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرارا ويَزِدْكُم قُوَّة إلى قُوَّتِكُم ولا تَتَوَلَّوْا مُجْرمين﴾ (هود: 52).

بالإيمان والإسلام خمس مرات كما في قوله :﴿والَّذين عَمِلُـوا السَّيئاتِ ثم تَابوا مِنْ بَعْدِها وآمَنوا إنّ رَبَّـكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيم﴾(الأعراف: 153).

بالصلاة والزكاة مرتين، كما في قوله عز من قائل: فإنْ تَابُوا وَأَقـامُوا الصّلاةَ وآتوا الزكاةَ فَخَلُّوا سَبيلَهُم(التوبة: 5).

اتباع سبيل الله مرة واحدة هي قوله :﴿الّذين يحْمِلون العرشَ ومَن حَوْلَه يُسَبّحون بِحمْد رَبهم يومِنونَ بِه ويَستغْفِرونَ لِلذين آمَنوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيء رحمـةً وعِلْمًا فَاغْفِر للذينَ تَابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَك وَقِهِمْ عَـذَابَ الجحيم(غافر: 6).

كما ورد وصف التوبة بالنصوح مرة واحدة هي قوله سبحانه:﴿يا أيها الذين آمَنُوا توبوا إلى الله تَوْبَةً نَصُوحا(التحريم: 8).

ثم وردت مطلقة في ثلاث وعشرين موضعا، لكنها حيث وردت مطلقة وردت إما منفية كما في قوله سبحانه: ومَنْ لَمْ يَتُبْ فأولئِك همُ الظَّالِمونَ(الحجرات: 11)، أو موصوفة بعدم القبول كما في قوله سبحانه:﴿وَلَيْسَت التوبَةُ للذين يَعْمَلون السَّيئاتِ حتى إذَا حَضَرَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قال إنّي تُبْتُ الآنَ وَلا الذينَ يَمُوتونَ وهُم كُفارٌ أولئك اَعْتَدْنا لهمْ عذاباً اليما﴾(النساء: 18).

أو وردت متضمنة لمعنى ترك الذنب الموجب للتوبة كما في قوله تعالى في معرض تحريم الربا: وإنْ تُبْتُمْ فَلَكمْ رُؤوسُ أَمْوالِكُم لا تَظْلِمُونَ ولا تُظلَمُونَ(البقرة: 278)، أو بمعنى ما سيكون كما في قوله سبحانه: ثم تابَ عليهِم لِيَتُوبُوا إنَّ اللهَ هُو التّوابُ الرّحيم(التوبة: 119) أو مقيدة بالقرب كما في قوله :﴿إنمّا التَّوْبةُ على الله للّذين يَعْمَلونَ السّوءَ بجَهالةٍ ثم يتوبُون مِن قَريب فأولئك يَتوبُ اللهُ عليْهِم وكان الله عَليما حَكيما(النساء: 17).

فكأن هذه الآيات تحمل دلالة خاصة متمثلة في أن التوبة لكي تكون مقبولة لابـد أن تقترن بأمور أخرى، وقبل الحديث عن ذلك، تجدر الإشارة إلى أن شروط التوبة كما ذكرها العلماء هي الإقلاع عن المعصية، والندم على فعل تلك المعصية، والعـزم على ألا يعود إليها أبدا، فإن كانت المعصية في حق آدمي، فلها شرط رابع وهـو التحلل من صاحب ذلك الحق، وأصلها الندم وهو ركنها الأعظم.

هذا عن شروطها الداخلة فيها التي وضعها العلماء، فإذا رجعنا إلى شروط التوبة الخارجة عنها أو المضافة إليها، نجد أهمها: الإصلاح أو العمل الصالح كما نجد في قوله : والذينَ يَرْمونَ المحْصَناتِ ثم لَمْ ياتوا بأربعةِ شُهَداءَ فاجْلِدوهُم ثمانينَ جَلْدَةً ولا تَقْبَلُوا لهُمْ شهادةً أبَدا وأولئك هُمُ الفاسِقون إلا الّذين تَابوا مِنْ بعْدِ ذلك وأَصْلَحُوا فَإن اللهَ غَفُورٌ رحِيـم(النور:4).

فها هنا مسألتان ينبغي الإجابة عنهما:

– الأولى: هل التوبة وحدها بشروطها الأربعة تخرج صاحب المعصية من معصيته؟

– الثانية: ما دور العمل الصالح في قبول التوبة، ولماذا أضيف إليها في أربـعة عشر موضعا من مجموع نصوصها؟

والجواب عن المسألة الأولى يتمثل فيما اتفق عليه العلماء، من أن التوبـة إذا توفرت فيها أركانها الأربعة قبلت وصارت توبة نصوحا.

أما جواب المسألة الثانية فمن زاويتين:

الأولى: إن العمل الصالح أضيف إلى التوبة مع أن التوبة وحدها تخرج صاحبها من المعصية، ولقد علل العز بن عبد السلام إضافة العمل الصالح إلى التوبة في آيـة النور بقوله: “اشترط في خروجهم من وصف الفسق الإصلاح بعد التوبة مع أنه يغفر لهم بمجرد التوبة بالإجماع وهم يخرجون من الفسق بها…والجواب أن المراد خروجهم من الفسق في الحكم الظاهر لنا لا في نفس الأمر، فهم يخرجون مـن الفسق في نفس الأمر بالتوبة، ولا يمكننا نـحن أن نتحقق ذلك منهم وتقبـل شهادتهم حتى يظهر أثر ذلك عليهم، من مباعدتهم لما كانوا عليه وتمسـكم بالخير”.

وهذا الجواب لاشك في صدقه وانطبـاقه على الآية من سورة النور لأن المطلوب من الفاسق أن يرفع عنه أمرين: الإثم، ورد الشهادة، والإثم يكون بينه وبين الله المطلع على ما في النفوس، فيكفيه أن تكون توبته منه توبة نصوحا، أما رد الشهادة فهو أمر بينه وبين المخلوقين الذين ليس لهم إلا الحكم بظواهر الأمور، فكان واجبا عليه أن يظهر لهم من نفسه صلاحا يحملهم على قبول شهادته.

لكن هذا التحليل لا ينطبق على كل النصوص التي اقترنت فيها التوبة بالإصلاح، كما نجد في قوله : وإذا جاءَكَ الّذين يومنون بآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكم كَتَبَ ربُّكُم على نَفْسِه الرَّحمَةَ أنه مَنْ عَمِل منكم سوءا بجهالةٍ ثم تاب مِنْ بعدِه وأَصْلح فإنّ اللهَ غفورٌ رحيمٌ(الأنعام: 55)(كذلك المائدة:41، طه: 82، ومريم: 60 وغيرها)، لأن الأمر يتعلق هنا بما بين العبد وربه فقط، ومع ذلك اقترنت التوبة بالإصلاح، وهناك جواب ثان عـن المسألة، يتمثل في كون الإصلاح إنما هو بمعنى خاص، يكون من شروط صـحة التوبة، ويتـمثل في “استدامة الإصلاح بعدها في الشيء الذي تاب منه” كما قاله ابن عطية في المحرر الوجيز، وإذا حملناه على هذا المعنى صار داخلا تحت التوبة، وركنا من أركانها، بل متـضمنا لأركانها كلها، ذلك أنه من المعلوم بأن أركان التوبة هي الإقلاع عن المعصية، والندم على فعلها وعدم معاودة فعلها، ولاشك أن هذا كله هو المعنى الذي قاله ابن عطية، أي: استدامة الإصلاح بعد التوبة في الشيء الذي تيب منه..

لكن هذا الجواب يُشْكِلُ بالنظر إلى أنه ذِكْرٌ لأمرين حقيقتهما أمر واحد، لأنه إذا كانت التوبة متضمنة للإصلاح، فما الفائدة من ذكرهما مـعا واقترانهما في نصوص كثيرة. والجواب على ذلك أن التوبة إذا توفرت على شروطها الأربعـة –دون العمل الصالح– كانت توبة صحيحة، لكن من تمامها فعل الحسنـات، خاصة إذا كانت المعصية التي يرغب التائب في تركها مـتعلقة بحقوق الآدميين، لأن التوبة تسقط حق الله، ويبقى حق العباد إذا فاته رده، ولذلك يستحـب له الإكثار من الحسنات، قال ابن تيمية عن توبة القاتل: “… بل التوبة تسقط حق الله… لكن حق الآدمي يعطاه من حسنات القاتل، فمن تمام التوبة أن يستكثر من الحسنات” (التفسير الكبير6/44).

وقد يصدق هذا المعنى على جميع الذنوب كما قال النبي : «وأَتْبِعِ السيئة الحسنة تمَحُها» (سنن الترمذي – باب ما جاء في معاشرة الناس 4/125).

يتحصل مما سبق أن العمل الصالح هو من مكملات التوبة وليس ركـنا مـن أركانها، رغم أن الفرق بين الأمرين يسير بالنظر إلى أن التائب يحرص على أن تقبل توبته، فيبذل ما يستطيع من جهد لتحقيق ذلك، وهو ما وصل إلى الندم عن معصيته إلا وهو راغب في إرضاء الله تعالى الموجب لفعل الصالحات.

والخلاصة أن فاعل المعصية ينبغي له إن تاب، أن يبذل ما في جـهده وطاقته لتقبـل توبته، خاصـة وقبول التوبة أو عدمه يبقى أمرا غيبيا لا يعلم تحققه إلا الله سبحانه وتعالى، كما أن الله تعالى، وإن كان يغفر كل الذنوب، إلا أنه سبحانه، لا يغفر لكل مذنب، قال ابن تيمية: “…فإن الله أخبر أنه يغفر جميع الذنوب، ولم يذكر أنه يغفر لكل مذنب…” (التفسير الكبير6/44)، ومن هنا وجب على التائب أن يجتهد في طلب المغفرة، ولا شك أن أهم مظاهر هذا الاجتهاد هو الإكثار من الصالحات كما أرشد إلى ذلك القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة.

دة: كلثومة دخوش

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *