لآلئ وأصداف ـ حرب الشيطان


وصلتني مقالة بديعة من صديق شاعر، مما جاء فيها:

تكومتْ للتو غيمة أخرى خرج منها باولو كويلو

قلت أين هي؟

قال: هناك على نهر بييدرا.

قلت: كنت البارحة هناك ولم أجدها. قاطعتنا موجة تقدمت إليَّ بحركة مستفزة وهي تشق ثياب الماء، وتقول: قلتُ لك إنها ليست هنا.

قال كويلو: آسف يا صديقي، هلا ذهبت إلى “الجبل الخامس”؟، ربما وجدتها حيث وقف إيليا مجروحَ الروح في رحلته إلى الله.

قلت: لم يكن في الجبل الخامس إلا أوهامُ الفينيقيين.

قال: إذن فالمكان الوحيد المتبقي هو أن تذهب إلى أهرامات مصر، ربما وجدتها هناك، حيث جثا الراعي الأندلسي يحفر الرمل بحثاً عن كنوز الفراعنة، فإن لم تجدها هناك فاسأل عنها غيري، فقد أعيا الخيميائيين قبلك الوصولُ إليها. وهنا خرجت إيزابيل ألندي، تقول: دعك من هذا الخارج من موجة الخرافة: إنك لن تجدها إلا هناك في سان جابرييل.

سخر كويلو وقال لي: الحق أقول لك: الأمريكيون آخر من يمكن أن يدلك عليها، هل تعلم لماذا نحن أشقياء في أمريكا اللاتينية؟ لأننا بعيدون عن الله، قريبون من الولايات المتحدة).

باولو كويلو هو صاحب الرواية الشهيرة: (الخيميائي). والحوار الذي يسوقه الكاتب حوار متخيل، ولكنه من خلاله ينقل إلينا حقائق، على ألسنة أدباء غربيين، من أمثال أرسطو وهمنجواي وإيزابيل ألندي وجيمس جُويْس، كما يستحضر أعلاما شرقيين، من أمثال قيس بن الملوح ورابعة العدوية وفريد الدين العطار، والهدف واحد، وهو البحث عنها، عن الحقيقة الضائعة.

ووسط التعبيرات التخييلية، يصدع بالحقائق التي يعريها التخييل الباني، إذ هناك التخييل التهويمي الذي لا يضيف إلى معارفنا شيئا، وهناك التخييل الباني الذي يُبصّر الأمة بالحقائق التي قد يعجز عن كشفها التاريخ، ولذلك اعتبر أرسطو الشعر والأدب أكثر صدقا من التاريخ، لأن هناك فرقا بين من يعنى بالنسبي ومن يعنى بالكلي من الأشياء. ومع ذلك لا يريد أكثرنا تصديق تلك الحقائق، لأنه ما زال يعتبر أن أمريكا هي التي تحمل مفاتيح حل معضلات واقع أمتنا المنكوب، وأن الله  غائب من حساباتنا نهائيا. فكأن أمريكا هي التي تصنع مصائر الناس، لا الله تعالى.

وماذا لو جئنا هؤلاء بآية أخرى، من قبيل وشهد شاهد من أهلها؟ إنها شهادة عميدة الصحافة الأمريكية، هيلين توماس، التي توفيت عام 2013، عن سن الخامسة والتسعين من العمر، وهي -كما يسجل ذلك محمد الغيطي- أول امرأة تتولى منصب رئيس نادي الصحافة الأمريكي، وقد عاصرت أهم رؤساء أمريكا، ورافقتهم وغطت أنشطتهم، وكانت مع (نيكسون) في أول رحلة تاريخية للصين، عام 1971، وهي التي رفضت أن ترافق (جورج بوش الابن)، وأعلنت رفضها لعبارته الشهيرة: “إنه يحارب في العراق من أجل الله والصليب” وقالت: “بل إنها حرب الشيطان وليست حرب الله”.لا يكفي أن تقول إنك تحارب من أجل الله حتى تكون كذلك، إذ لكل شيء آية. فما آيتك؟ أهي التنكر للمستضعفين، والقتال إلى جانب المستكبرين؟ والذي يرى أن هناك اليوم شعبا أكثر “مظلومية” من شعب فلسطين، إنما يخادع الله والذين آمنوا، وما يخادعون إلا أنفسهم وما يشعرون. وقد قالت توماس هيلين، في محاضرة لها بنادي الصحافة، قبل رحيلها بعدة أيام، بعدما رفضت الصحافة نشر مقال لها: “اليهود يسيطرون على إعلامنا وصحافتنا ويسيطرون على البيت الأبيض”. وأضافت: “لن أغير رأيي ما حييت؛ فالإسرائيليون يحتلون فلسطين وهي ليست بلادهم. قولوا لهم ارجعوا لبلدانكم واتركوا فلسطين لأهلها”. وزادت الأمر بيانا فقالت: “إنني أرى أن بريطانيا سوف تستحضر روح البريطاني “مارك سايكس” وفرنسا سوف تستحضر روح الفرنسي “فرانسوا بيكو” (وعد سايكس/بيكو) وواشنطن تمهد بأفكارها لتقسيم الدول العربية بينها، وتأتي روسيا لتحصل على ما تبقى من الأرض العربية، صدقوني، إنهم يكذبون عليكم ويقولون: إنهم يحاربون الاٍرهاب نيابة عن العالم وهم صناع هذا الاٍرهاب والإعلام يسوق أكاذيبهم”.

في هذا العام الذي نودعه، عام 2016، نعيش حدثين مؤلمين، وهما: مرور 68 عاما على اغتصاب فلسطين، من أهلها ومن أمتنا كلها، ثم مؤامرة سايس بيكو اللعينة، التي مزقت أمتنا، وصنعت لنا -بالمسطرة والبيكار- أوطانا وأعلاما، صرنا نقاتل دونها، أي يقاتل بعضنا بعضا في سبيل الأوهام. مأساتنا أننا (بعيدون عن الله، قريبون من الولايات المتحدة الأمريكية)، وأننا نسينا قول الله : يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين، وقوله سبحانه: فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم. منذ سايس بيكو حتى الآن، رفعنا كل الشعارات المتهالكة… القومية… التقدمية… العنف الثوري… الاشتراكية… محاربة الإمبريالية… ولكننا لم نكن خلال مئة عام نحارب إلا أنفسنا.. يقتل بعضنا بعضا، ويتآمر بعضنا على بعض، ويكيد بعضنا لبعض، حتى تحولت مجتمعاتنا إلى (مجتمع للكراهية)، كما سماها سعد جمعة، رئيس وزراء الأردن الأسبق، رحمه الله. قال هذا منذ أزيد من أربعين عاما، واليوم تتجسد هذه المقولة عمليا في مشاهد القتل والخراب الذي نحدثه في مجتمعاتنا بأيدينا، ثم نلتمس من أمريكا وروسيا مخرجا من الضيق الذي نحن فيه، وكثير ممن يرفع شعار الإسلام لا يجد لشعاره رصيدا من الواقع، إذ (لا يغلب أربعون ألفا من قلة)، ولكن من الداء الذي ينخرهم من الداخل. أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا، قل هو من عند أنفسكم.

يلتقطها أ.د. الحسن الأمراني

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *