في رحاب آية ـ ما لا يعلمه إلا الله 


يقول الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِير(لقمان: 33).

قُفْلٌ إلهيٌ محكمٌ على العلم الغيبي الربَّاني؛ كي يحملنا اليأس من طلبه على الاجتهاد في تحصيل العلم البشري الممكن، كما فيها قطع بتكذيب كل المنجمين، والعرافين.

عِلْمُ السَّاعَةِ: لو انكشف لأيِّ إنسان أجله؛ لسعى في الأرض فسادًا مُمَنِّيًا نفسه بالتوبة قبل أجله بعام، فإذا جاء عامه، قال: أتوب قبلها بشهر، وهكذا؛… ولخرب العالم الذي لم يُبْنَ إلا بطول الأمل، والرغبة في الحياة!

وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ: ولو علم الإنسان موعد نزول المطر لما لجأ إلى الله ، ولا توكل عليه، وما انبطح على أعتابه، وما استخرج الله سبحانه وتعالى منه عبودية الافتقار، والذلة، والمسكنة، والتضرع في طلب الرزق التي هي أحب إلى الله  من كل عبادة، قال سبحانه وتعالى: فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا.

وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ: أنطفةٌ مخلقةٌ؟ أم غيرُ مخلقةٍ، أَيُسْعِدُ والديه، أم يُشْقِيهِما؟!

يَعُدُّ الوالدان الثواني انتظارًا لخروج ما في الرحم، وقد يكون قاتلا لهما، أو لأحدهما، أو سببًا في النكد، والشقاء! ولو علما ذلك لما بذلا كل البذل في الإنجاب!

ووالدان آخران اكتفيا برزق الله لهما من الذرية؛ فاجتهدا في أسباب عدم تخليق النطفة، التي أبى الله إلا تخليقها، وإذا بالغلام مقتحمًا عليهما حياتهما بإرداة الله التي قهرت إرادتهما، وليكون إمامًا فاضلا، وعالمًا ربانيًا، ومجاهدًا صالحًا، أو مخترعًا نافعًا، جالبًا عليهما الغنى، والسعادة! أما لو علما ذلك لما اجتهدا في عدم تخليقه بالأسباب الطبية.

وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا: لو علم الإنسان ما سيفعله غدًا من خير، أو شر إذًا لسقط التكليف، وبطل السعي! فما يدعو الرجل أن يجتهد في تحصيل رزقٍ قد علم أنه آتيه!

وما يحمله على مجاهدة نفسه في تركِ معصيةٍ علم أنه مرتكبها!

فإنَّما يسعى الإنسان مؤملا غدًا أفضل بما وهبه الله من قدرة، وإرادة، ومشيئة تسير وَفْقًا لما أراده الله له. فإذا ما انكشف عنه ستار الغيب، وأبصر حقيقة غده أقعده ذلك العلم عن البذل، والاجتهاد، وانقطع  بذلك التكليف، وبطل الأخذ بالأسباب!

وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوت: وهل يمكن أن يذهب الإنسان أرضًا علم أنه سيموت فيها؟! ولغير ذلك من الحكم إلهية، أخفى الله عنا علم الغيب!

يُروى: أن هارون الرشيد رأى في نومه أنه سأل ملك الموت: كم بقي لي من عمري؟

فأشار إليه ملك الموت: بأصابعه الخمسة؛ هكذا!

فاستيقظ هارون فزعًا، وسأل نفسه: الذي بقي من عمري خمسة أيام، أم أسابيع، أم شهور، أم ماذا؟!

فأخبره المعبر أن ملك الموت يقصد: سؤال كهذا من خمسة أمور اختص الله  علمها بنفسه، ولم يطلع عليها أحدًا. فسري عن هارون ما كان فيه.

فلا شيء أولى بالعاقل الفطن اللبيب من الإعراض عن علم أغلق الله عليه باب الوصول إليه انشغالًا بالعلم الذي أمره بالاجتهاد في تحصيله.

وآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِيْنَ، سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ، وَأَتُوبُ إِلَيْكَ.

الداعية: محمد فرِيد

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *