حق المسلم على أخيه المسلم


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وعلى آله وصحبه إلى يوم الدين.

الحقيقة الساطعة الناصعة هي أن الإسلام نظام شامل وكامل مصداقا لقول الحق تبارك وتعالى: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا، وعليه فما من صغيرة ولا كبيرة لها علاقة بحياة الإنسان دينا ودنيا إلا فصلها وبينها. قال العلي الكبير: وكل شيء فصلناه تفصيلا.

والإسلام بما يتضمنه من مبادئ وأحكام تنسجم مع الفطرة والقلب والعقل، فإن منهاجه هو الأقوم والأسلم، والأفضل والأمثل. ومن حاد أو زاغ عنه إلى غيره من السبيل، فقد خسر الدنيا والآخرة، مصداقا لقوله تعالى: ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين.

ونظام الإسلام في غاية  الإحكام، ما كان له أن يغفل توطيد وتوطين عرى الأخوة بين أفراد المجتمع الإنساني قاطبة، والمجتمع الإسلامي خاصة، ولذلك فرض على المسلمين مجموعة من الحقوق تجاه بعضهم البعض إشاعة لروح الأخوة والمحبة والمودة، ورصا للصف، ونبذا للفرقة والخلاف حتى يتفيأ الجميع في رحاب الشريعة الإسلامية بظلال الطمأنينة والسكينة الوارفة، ويرفل في ثوب السعادة الحقيقية. بعد هذا التقديم، فما هو الحق؟

أولا: تعريف الحق

الحق لغة وشرعا، له مرادفات متعددة تفهم من خلال سياق الكلام، ومنها: الله، والنصيب والقسمة والخلاق والحظ، والهدى، والرشاد، والصواب، والصدق الثابت.

ومن أضداده: الباطل والضلال والكذب والزيف، والبهتان والزور، والواجب.

أما اصطلاحا، فهو في تعريف مبسط: ما يجب أن يتوفر عليه الإنسان، أو يوفر له، فيتمتع به بمقتضى الطبع أو الشرع أو القانون، وهو بهذا لا يعد منحة ولا منة ولا امتيازا يعطاه الإنسان، أو يسلبه في أية لحظة من دون مبرر شرعي، أو سوغ قانوني. ولكثرة ما نص عليه دستور الإسلام من بنود –إذا صح التعبير- تتعلق بحق المسلم على المسلم، سأكتفي بجرد وسرد ما يلي منها:

– اعتبار المسلم بحق أخا مهما حصل لقول الله جلت قدرته: إنما المؤمنون إخوة.

– تحيته بمجرد رؤيته، أو لقائه حتى وإن لم يكن معروفا لقول الله سبحانه: وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أوردوها. فإذا قال المسلم السلام عليكم، فليرد الآخر بتحية أفضل: وعليكم السلام ورحمة الله. وإذا قال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فليرد عليه: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

– مصافحته، والشد على يده بحرارة إذا كان ذكرا، وفي الأمر مثوبة وأجر عظيم لقول الرسول : «ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يفترقا» رواه أبو داوود.

– تشميته عند العطس في حالة حمد الله تعالى، بأن يقال له: يرحمك الله ويرد المشَمَّت بقوله: يغفر الله لي ولك. أو يقول: يهديكم الله ويصلح بالكم امتثالا لقول الرسول : «إذا عطس أحدكم فليقل له أخوه: يرحمك الله، وإذا قال له يرحمك الله، فليقل له: يهديكم الله ويصلح بالكم» (رواه البخاري).

– عيادته عند المرض لقول الرسول : «حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس» متفق عليه.

– الدعاء له بالشفاء: يستحسن أن يكون بهذا الدعاء المأثور: «اللهم رب الناس أذهب البأس، اشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما» متفق عليه.

– اتباع جنازته وتشييعه لقول الرسول : «حق المسلم على المسلم وذكر من بينها اتباع الجنائز» كما جاء في الحديث السالف الذكر.

– إجابة دعوته وتلبيتها دون تردد أو تلكؤ لقول الرسول : «حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس» متفق عليه.

– نصحه والإشارة عليه بما هو في صالحه إذا طلب ذلك لقول الصادق الأمين : «إذا استنصح أحدكم أخاه فلينصح له» رواه البخاري.

– حبُّ الخير له كما يُحَبُّ للنفس مصداقا لقول الرسول : «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» متفق عليه.

– نصرته، فإن كان ظالما، رد إلى الصواب والحق، وإن كان مظلوما فبمؤازرته والوقوف إلى جانبه. وهذا ما يشير إليه الرسول الكريم  في قوله: «انصر أخاك ظالما أو مظلوما» رواه مسلم.

– عدم ظلمه والتعدي عليه لقول الرسول : «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره» متفق عليه.

– عدم خذلانه وتركه وحيدا في ساحة المواجهة كما جاء في متن الحديث السابق (… ولا يخذله). وكما قال الرسول : «من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة» رواه أحمد.

– عدم احتقاره والانتقاص من قدره، وذلك بنص الحديث النبوي الشريف: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره» متفق عليه.

– عدم مسه بأي نوع من الأذى المادي، وذلك طبقا لقول رسول الله : «كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه» رواه مسلم. أو الأذى المعنوي لقوله عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم: «لا يحل لمسلم أن يشير إلى أخيه بنظرة تؤذيه» رواه أحمد.

ويجمع النهي عن الأذى المادي والمعنوي الحديث النبوي «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» متفق عليه.

– التواضع له وخفض الجناح مصداقا لقول الحق تبارك وتعالى: ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الارض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور.

– عدم أمره بالقيام من مجلسه ليجلس فيه الآمر، لقول الرسول : «لا يقيمن أحدكم رجلا من مجلسه، ثم يجلس فيه، ولكن توسعوا وتفسحوا» متفق عليه.

– عدم هجره أكثر من ثلاثة أيام لقول رسول الله : «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام» متفق عليه.

– عدم إساءة الظن به مصداقا لقول الله تعالى: يا أيها الذين ءامنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولقول خير البشر : «إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث» رواه البخاري.

– عدم التجسس عليه وتتبع عوراته أو محاولة هتك خصوصياته، قال الله تعالى: ولا تجسسوا.

– عدم ذكره في غيبته بما يكره: ولا يغتب بعضكم بعضا.

إخواني أخواتي إننا ونحن نقرأ الحقوق التي علينا أن نؤديها نحو بعضنا نحن المسلمين، نجد أنفسنا مضيعين لأكثرها، وغارقين في بحر الذنوب بسبب إهمالها.

ماذا عسانا أن نقول لربنا عز وجل عند لقائه؟

واحسرتنا على ما فرطنا في جَنْب بعضنا.

إن حالنا في خطر شديد، والويل لنا إن بقينا عليه يوم الوعيد، وما هو منا ببعيد. فلنصلح ما ضاع منا بالإهمال. ونكثر من صالح الأعمال، ولتنفرغ إلى الله بالابتهال لعلنا ننجو يوم لا ينفع جاه ولا مال.

د. محمد ديان

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *