اللغة العربية لغة القرآن الكريم: مباني ومعاني (24)


“دليل المعلم لإرشاد المتعلم”

نتابع مناقشة النص الذي بدأناه في آخر الحلقة الماضية 23 المحجة عدد 468. ونظرا لأهمية هذا النص الذي يستحضر فيه المؤلف المتعلم المحتمل سنعيد كتابة ما بدأناه منه في الحلقة الماضية ثم نتممه تحت عنوان: “دليل المعلم لإرشاد المتعلم في قواعد اللغة العربية”، وهذا يعني أننا سنلاحظ في النص أمرين اثنين: تمكن المعلم من معاني اللغة، وتعليم المخاطب تلك القواعد غير مفصولة عن وظائفها. وهذا ما يجمع بين مفهومي: المباني والمعاني، وللتمثيل لما يوضح ما قلناه يقول سيبويه: “هذا باب ما يكون فيه الاسم مبنيا على الفعل قُدّم أو أُخِّر”. وما يكون فيه الفعل مبنيا على الاسم.

فإذا بَنَيْتَ الاسمَ عليه قُلْتَ: ضربتُ زيداً، وهو الحد؛ لأنكَ تريد أن تُعْمِلَهُ وتَحملَ عليه الاسمَ، كما كان الحد: ضربَ زَيْدٌ عَمْراً، حيث كان زيد أوَّل ما تَشْغَل به الفعل، وكذلك هذا إذا كان يَعْمَلُ فيه. وإن قدمتَ الاسمَ فهو عربِيّ جيّد، كما كان ذلك عربيّاً جيّداً…

فإذا بنَيْتَ الفعلَ على الاسم قُلْتَ: زيدٌ ضربتُه. فلزمته الهاء، وإنما تريد بقولكَ مبني عليه الفعلَ أنّه في موضع منطلق إذا قلتَ: عبدُ الله منطلقٌ، فهو في موضع هذا الذي بني على الأول وارتفع به. فإنما قلت عبد الله فنسبته له، ثم بنيتَ عليه الفعلَ ورفعتَه بالابتداء.

ومثل ذلك قوله جل ثناؤه: وأما ثمودُ فهديناهم (فصلت: 17). وإنما حَسُنَ أن يُبْنَى الفعل على الاسم حيث كان مُعْمَلاً في المُضْمَرِ وشَغَلْتَهُ به، ولولا ذلك لم يحسُن لأنك لم تشغله بشيء. وإن شئتَ قُلتَ: زيداً ضربتُه، وإنما نَصَبَه على إضمار فعل هذا يفسره كأنك قلتَ: ضربتُ زيداً ضَربتُه، إلا أنهم يظهرون هذا الفعل هنا للاستغناء بتفسيره، فالاسم ههنا مبني على هذا المضمر…

فإن قلتَ: زَيْدٌ مَرَرْتُ به فهو من النصب أَبْعَدُ من ذلك؛ لأنّ المضمر (قد) خرج من الفعل وأضيف الفعلُ إليه بالباء، ولم يوصل إليه الفعلُ في اللفظ، فصار كقولكَ: زيدٌ لقيتُ أخاه، وإن شئتَ قلتَ: زيداً مرَرْتُ به، تريد أن تفسر به مضمراً… كأنّكَ قلتَ إذا مَثّلْتَ ذلك: جعلتُ زيداً على طريقي مررتُ به، ولكنكَ لا تُظهرُ هذا الأول لما ذكرتُ لكَ.

وإذا قلتَ: زيدٌ لقيت أخاه فهو كذلك، وإن شئتَ نَصبتَ؛ لأنه إذا وقع على شيء من سببه فكأنه قد وقع به، والدليل على ذلك أن الرجل يقول: أهَنْتَ زيداً بإهانَتِكَ أخاه، وأكرمته بإكرَامِكَ أخاه. وهذا النحو في الكلام كثير… (ك، 1/80-82).

يتضمن ما انتقيناه من مادة هذا الباب خمسة أنواع من الجمل التي لها علاقة بالموضوع بنسبة مّا، ذلك أن منها ما يتصل فيه الاسم بالفعل دون أي إجراء يفسر درجة العلاقة بينهما، ومنها ما يتصل فيه الاسم بالفعل بعد إجراء أو تأويل يثبث نوع درجة العلاقة بينهما، وهذه العلاقة المباشرة بين الاسم والفعل هي المعبر عنها بمصطلح البناء بواسطة الفعل “بَنَيْتَ” ويتجلى ذلك في المثالين 1و2، وما يرادف كل واحد منهما لشرحه، ونجرد هذه الأمثلة لا لكونها ذات أهمية في الموضوع فقط، وإنما لما يصاحبها من شروح  تتضمن عبارات ومصطلحات ذات أهمية بالغة في مجال معرفة مقاصد التقعيد في بداية نشأته، وما آل إليه الأمر بعد ذلك استنتاجا من هذا الذي سنذكره ولهذا نجرد الجمل المذكورة أعلاه مصحوبة بشروحها لأجل الاستنتاج وذلك فيما يلي:

1 – أ: ضربتَ زيداً

1 – ب: ضرب زيدٌ عمراً

2 – أ: زيدٌ ضربتَه

2 – ب: عبدُ الله منطلقٌ

3 – أ: زيداً ضربتُه

3 – ب: ضربتُ زيداً ضَربتُه

4 – أ: زيدٌ مررتُ به

4 – ب: زيد لقيتُ أخاه

5 – أ: زيداً مررتُ به

5 – ب: جعلت زيداً على طريقي مررتُ به

6 – أ: زيدٌ لقيتُ أخاه

6 – ب: زيداً لقيتُ أخاه = أهنتَ زيداً بإهانَتِكَ أخاه

كل أمثلة الأرقام المصحوبة بحرف “أ” أصول بالنسبة للحالة التي يمثلها كل واحد منها في النص، ثم تأتي الأمثلة المصحوبة بحرف “ب” المقابل لها أمثلة مفسرة لها كل مثال وما يقابله، ولذا لا نحتاج إلى تحليلها؛ لأن تفسير كل واحد منها مقابل نظيره وارد في النص، لكن الذي يعنينا هنا هو الوقوف عند بعض العبارات المستعملة في هذه الشروح التي منها في المثال رقم:

1 – أ- ب: قوله:

2 – أ – فإذا بنيتَ الاسمَ عليه قُلْتَ

2 – ب – لأنَّك تريد أن تُعْمِلَه وتحملَ عليه الاسم

2 – ج – حيث كان زيد أول ما تشغلُ به الفعل

نتأمل دلالات الكلمات الواردة في الأمثلة أعلاه: (2 – أ) “بَنَيْتَ” وفي (2 – ب): “تُريدُ أن تُعْلِمَهُ وتَحملَ عليه…”، وفي (2 – ج): تشغل به الفعل.

هكذا يفهم من هذه الأمثلة استنتاجا ما يلي:

3 – أ – أن معلم اللغة العربية ينبغي أن يكون متمكنا مما يريد أن يبلغه للمتعلم، ولذا نلاحظ التمثيل المقدم للمتعلم بالتعبير المناسب “فإذا بنتَ… قلتَ”.

3 – ب – أن الذي يرتب الكلمات حسب وظائفها في الكلام هو المُتَكلِّم الذي يضبط قوانين لغته ليَقيسَ عليها، ولذا قال المؤلّف: “فإذا بنيتَ الاسمَ عليه”، فالكلمات بمثابة اللبنات والمتكلّم بمثابة البناء، فهو الذي يبني الاسم على الفعل إذا اقتضى الحال أو العكس. وهذا ما تؤكده عبارة المثال “2 – ب”: “تُريد أن تُعمله، وتحملَ الاسمَ”. وعبارة المثال “2 – ج”: “حيث… أول ما تَشغلُ به الفعلَ”.

هكذا يتضح أن المتكلّم يتحكم في نظام اللغة العربية بحيث يبني كلمةً على أخرى مناسبة لها حسب ما يقتضيه مقامُ التعبير الذي لا يحيد عن نظام اللغة العربية، وهذا النظام المقيس عليه هو الذي أشار إليه المؤلف في الفقرة الأولى التي تتضمن مثال “1 – أ – ب” في النص الذي بين أيدينا بقوله: “كما أن الحد، ضربَ زيدٌ عمراً”. وقوله: “وإن قدَّمتَ الاسم فهو عربِيّ جيّد كما كان ذلك عربيّاً جيّداً…”

ولعلنا لسنا في حاجة إلى علل للتساؤل: كيف انتقل منهج تحليل علاقات الكلمات فيما بينها في اللغة العربية من بناء المتكلم لها وإعمال بعضها في بعض إلى إسناد ذلك إلى الكلمات في غياب المتكلم الذي يستعملها للتعبير عن قصد معين، مع العلم أنه يمكن استخراج أمثلة أخرى من كتاب سيبويه وغيره من كتب منظري قواعد اللغة العربية على غرار أمثلة “أ – ب – ج – 2” وأكثر من هذا أن مادة النص مثقلة بضمائر المخاطب المُفْتَرَض مثل بنيتَ، وقلتَ وقدمتَ، ونصبتَ وشئتَ، ومثّلتَ، وتُريد، وتَحملُ وتَشْغَلُ، ونسبتَه، رفعتَه، شغلتَه…

والعبارة التي تجمع بين أدلة المعلم لإرشاد المتعلم هي: قوله: “ولكنَّكَ لا تُظْهِرُ هذا الأول لما ذكرتُ لَكَ”.

د. الحسين كنوان

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *