التنزيل السياسي عند علماء السلف وعلاقته بمراعاة المقاصد 2


عني السلف الصالح رضي الله عنهم بالسياسة الشرعية والاجتهاد على وفق قواعدها ومقاصدها عناية كبيرة،  ويعتبر الصحابة الكرام شيوخ السلف وأئمتهم في السياسة، فقد عبر اجتهادهم في تدبير شؤون الدولة والرعية عن وعي متكامل بمقاصد التشريع وسياسة التدبير.

• أبو بكر الصديق شيخ السلف في السياسة الشرعية:

ويعتبر موقفه من محاربة مانعي الزكاة أول صورة من صور هذا الوعي، فقد اختلف الصحابة في قتالهم فمنهم من رأى أنهم لا يقاتلون لأنهم يشهدون أن لا إله إلا الله ويقيمون الصلاة فقد عصموا دمائهم، ومنهم من رأى قتالهم، وكان أبو بكر الصديق على رأس من يرون القتال استدلالاً بأنهم قد سلموا الزكاة لرسول الله  فيلزمهم أن يسلموها لخليفته، فإذا تركوا ذلك جاز للدولة أن تقاتلهم لأنهم لن يقيموا بحق (لا إله إلا الله)، ثم أجمع أمرهم على قتالهم.

ومن سياسته  جمعه للقرآن الكريم في مصحف واحد، فإن رسول الله لم يجمع القرآن في مصحف واحد وإنما كان متفرقاً في الصدور وفي الصحف وفي الجلود والأحجار ونحوها من وسائل الكتابة في ذلك الزمان فلما كثر القتل في موقعة اليمامة خشي عمر  أن يذهب القراء الذين حفظوا القرآن، فأشار على أبي بكر الصديق  أن يجمع القرآن في مصحف واحد، فرأي أبو بكر ما أشار به عمر وكلف فريقا يقوم بجمع القرآن في مصحف واحد، ووجه كون هذا العمل من السياسة الشرعية أنه فعل لم يفعله الرسول  إلا أن المصلحة اقتضته وكان العمل به جائزا ومشروعا.

السياسة الشرعية في اجتهادات عمر ابن الخطاب

وقد استمر النظر السياسي الشرعي إلى مستجدات الرعية عند عمر ابن الخطاب ، من ذلك تدوين الدواوين، وذلك أنه لما كثرت موارد بيت المال فكر عمر  في وسيلة مناسبة لترتيب هذه الموارد وتدوينها ثم توزيعها على أهل الاستحقاق، فأُخبر  أن الفرس يدونون هذه الموارد ثم يوزعونها على حسب الاستحقاق، فأعجب بالفكرة وأمر بإنشاء الديوان وتعيين الموظفين فيه لتدوين الدواوين، وجعله على قسمين: ديوان العطاء، وديوان الجند.

وهذا الصنيع من السياسة الشرعية التي اقتضتها المصلحة، لم يكن معهودا على زمن رسول الله .

وقد استمر النظر المقاصدي في نطاق السياسة الشرعية على يد علماء السلف على مر الأزمان، وتعاقب الدول.

مسك الختام:

من خلال ما تقدم تبين لنا أن العلاقة بين السياسة الشرعية ومقاصد الشريعة علاقة الفرع بأصله، فما دامت الأحكام التنظيمية في السياسة الشرعية اجتهادات شرعية، فلا بد أن تكون مبنية على قواعد الاجتهاد وأصول الاستدلال ومقاصد التشريع، وما دامت السياسة الشرعية جزء لا يتجزأ عن منظومة الفقه الإسلامي فلا مناص أن ما ينبني عليه الفقه تنبني عليه السياسة الشرعية.

ونحن على عتبة الختام، نشير إلى أن الناظر في البحث السياسي الشرعي والبحث المقاصدي يلحظ جليا وجود أهداف وغايات مشتركة بين الطرفين، وإن الاتحاد في الأهداف هو قوام أمر هذه المسألة، فإذا اتحدث فلا أثر لاختلاف الوسائل الموصلة إليها.

ويمكن في هذه العجالة أن نشير إلى أهم الأهداف المشتركة بين العلمين ما يلي:

تهدف السياسة الشرعية إلى حفظ الدين وإقامته وهو الهدف الأسمى لمقاصد الشريعة لقول الله تعالى “وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ”، كما تهدف إلى قيادة الدين للسياسة، فالمتدبر في القرآن الكريم يجد أن الله تبارك وتعالي ذكر العدل في القرآن الكريم أكثر من مرة مما يدل على أهميته قال تعالي: إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإحْسَانِ وَإِيتَآءِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاءِ وَٱلْمُنْكَرِ وَٱلْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ.

من جهة ثانية تهدف مقاصد الشريعة إلى جلب المصالح والمنافع للناس، و دفع المفاسد والضرر عن الناس، يقول العز بن عبد السلام: “من تتبع مقاصد الشرع في جلب المصالح ودرء المفاسد حصل له من مجموع ذلك اعتقاد أو عرفان بأن هذه المصلحة لا يجوز اهمالها وأن هذه المفسدة لا يجوز قربانها وان لم يكن فيها اجماع ولا نص ولا قياس خاص، فان فهم نفس الشرع يوجب ذلك”.

يتبين بهذا على أنه لا فرق بين ما تهدف إليه مقاصد الشريعة من جلب المنافع ودفع المضار، وما ترمي إليه السياسة الشريعة من إقامة صرح الدين وتحكيمه في مجال تدبير شؤون الخلق، فإن المصالح لا تتحقق إلا عن طريق إقامة الدين وتحكيمه، كما أن المفاسد لا تدرأ إلا بعد ذلك أيضا.

وبهذا تظهر جليا الصلة الوثيقة والعلمية بين السياسة الشرعية ومقاصد الشريعة الإسلامية، وبهذا أيضا نأتي إلى نهاية ما قصدنا، والحمد لله رب العالمين.

صهيب مصباح


اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

2 thoughts on “التنزيل السياسي عند علماء السلف وعلاقته بمراعاة المقاصد

  • فاطمة باباخويا

    السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. باسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
    حياكم الله وبياكم وبوركتم وجعلت الجنة مثواكم، وبعد: إن حديثك عن السياسة الشرعية ومنهج السلف فيها يحيلنا الى الواقع الفاسد المستبد للفكر السياسي اليوم.إذ نجد علماءنا الافاضل يلجؤون للتكييف والتسويغ وتنازلات (كتعدد الحكام واسقاط اهم شروط الولاية ..)، حتى وإن اختلفت وتعددت أسبابه إلا أن ضرائبه كانت وخيمة والتي لازالت الامة والعالم الاسلامي يتخبط فيها الى يومنا هذا.
    التساؤل المطروح هو ما الدافع الرئيس لهاته التسويغات والتكييفات الفقهية التي جعلت من الفكر السياسي مجرد مسعف يلجأ إليه في حالة الطوارئ؟ ثم ما السبيل الى اعادة الموازين الى نصابها؟

    • المحجة Post author

      شكرا لك على تفاعلك معنا…وتساؤلاتك مهمة تفتح آفاق البحث في الموضوع قصد استجلاء الحقائق..