افتتاحية ـ الحياة الطيبة حق فردي وجماعي  


 

قال تعالى: من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون(النحل: 97).

الحياة الطيبة مفهوم قرآني خالص، غايته توفير كل أسباب السلامة والأمن المقتضية لطمانينة الفرد والأمة مما يهددهما من أخطار.

والقرآن الكريم وهو يضع الأسس والقواعد لهذا المفهوم امتد به امتدادات مناسبة لامتداداته الزمانية والمكانية لتشمل الدين والدنيا، والأولى والآخرة… فالحياة الطيبة لا ينفصل فيها الدين عن الدنيا، ولا الدنيا عن الآخرة: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًا قَالُوا هَٰذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(البقرة: 25)، ولا ينفصل فيها الإيمان عن العمل: وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا(النساء: 124).

الحياة الطيبة في الدنيا لا تستقيم إلا على أسس من الإيمان بالله تعالى والعمل بما شرع، والاستقامة حق الاستقامة.

من أسس الحياة الطيبة ومقوماتها:

إن الحياة الطيبة هي منحة بعد محنة، وجزاء مقابل عمل؛ ولذلك فلا تنال من غير طريقها، ولا تجلب من غير تحصيل جملة من الشروط التي منها:

– أولا: الإيمان بالله تعالى وسلامة التصور: قال تعالى: وهو مؤمن إذ الإيمان بالله تعالى وما يستتبعه من لوازم وأركان أخرى هو العمدة الأساس والركن الرئيس في السلم الكوني والاجتماعي؛ فلا أمن للإنسانية ولا لمجتمعاتها وهي تحارب الله تعالى وتحارب أولياءه، ولا استقرار للأمة وهي تمكر مكرا كُبَّارا لمحو الدين من العقول والقلوب، واجتثاث جذوره من ذاكرة الأمم والشعوب، قال تعالى: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُون(النحل: 112).

وإن ما تعيشه الأمة اليوم من تحديات تمس أصول دينها وثوابتها الإيمانية ومقومات هويتها الحضارية؛ إنما هي تحديات تمس أمنها العقدي والروحي والإيماني، وتمس حقها الأساس في الحياة المطمئنة.

– ثانيا: العمل الصالح: وهو في القرآن الكريم شامل لكل عمل خير منبثق من أصول الإيمان، وما شرعه الله تعالى من أحكام في الحلال والحرام، وما يستمد من توجيهات الإسلام لإصلاح أحوال الأنام. ويدخل في العمل الصالح كل عمل فردي أو جماعي مادي أو معنوي يفضي إلى تحسين أحوال العباد وتنمية البلاد وإقامة العمران على موازين الإيمان والإحسان حتى يكون في أعلى صور الإبداع والإتقان.

ولقد تراجعت الأمة عن موقع الشهود الحضاري لما تكدرت أعمالها الصالحة، وكثرت فيها أعمال الفساد القادحة.

خارطة الطريق نحو الحياة الطيبة للأمة:

إن الأمة أمام كثير من التحديات التي تهدد أمنها الفكري والإيماني والاجتماعي وتعكر صفو طمانينتها ملزمة بفقه ما يلزمها لتحقيق طمانينتها كما وجه إليها القرآن الكريم:

– وأول ذلك تربية النشء على قيم الإيمان وأركانه وفضائل الأخلاق التي أمر بها ديننا الحنيف، فهي العاصم من كثير من الفتن، وإن إعداد النشء إعدادا إيمانيا صحيحا وخلقيا سليما إنما هو إعداد للقاعدة الصلبة التي تحصل بها الوراثة الصالحة والإمامة الراشدة. قال تعالى: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ(آل عمران: 110).

وإن هذه المهمة جسيمة، تتحمل أمانة القيام بها الأمةُ بكل قطاعاتها ومؤسساتها.

– وثاني ذلك تعزيز مكانة كل الفضاءات والمجالات والمؤسسة المؤثرة في تحقيق الحياة الطيبة وفي مقدمتها: الأسرة والمدرسة والإعلام والإدارة بكل أنواعها ومستوياتها. إذ بغير هذا الإصلاح لن تؤتي الإصلاحات الأخرى ثمارها النافعة.

– وثالث ذلك إحياء أنماط الحياة الاجتماعية التي حققت بها الأمة في تاريخها قدرا كبيرا من الطمأنينة وعلى رأس ذلك الأخلاق الجماعية من التكافل والتناصر والتعاون والتآزر، إذ كيف للفرد أن يحقق الطمأنينة والمجتمع ينخره الفساد، والفرقة تفتك بالأخوة بين العباد. لا سبيل للأمة إلى نهضة قوية من غير أن يلتحم أفرادها وتجتمع كلمة شعوبها، وتتوحد صفوفها. وصدق رسول الله  حين قال: «المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشده بعضه بعضا» (رواه البخاري ومسلم).

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *