من  مغالطات الإلحاد (4/2)


ليس للباطل قاعدة راسخة يقوم عليها، والباطل كما في معاجم اللغة “ما لا ثبات له عند الفحص”، وأبطل الباطل إنكار واجب الوجود “الله سبحانه وتعالى”، والواجب ما لايقبل العدم أو الانتفاء، وأي فكرة أو رأي ينكر واجب الوجود تحت أي دعوى فهي باطلة عقلا، وسنبين جانبا من مغالطات الإلحاد والملحدين ونناقشها بإيجاز.

• المغالطة الأولى: طلب الشيء من غير سبيله

يقول النسفي في مطلع رسالته في العقيدة: “وأسباب العلم ثلاثة: الحواس السليمة، والخبر الصادق، والعقل، فللمدركات طرق ووسائل تدرك بها، وهي إما محسوسات فسبيل إدراكها المناسب هو (الحواس)، وإما مسائل غائبة لا تدرك بالحس ولا بالعقل ابتداء مثل: المسائل الدينية والأخبار الغيبية فلا سبيل إلى تحصيلها ومعرفتها ابتداء إلا بالخبر الصادق، وإما أمور لا تدرك إلا بالعقل وليس الخبر أو الحس سبيلا إلى معرفتها، والواجب على العاقل أن يطلب كل مدرك بوسيلته المناسبة، وبيان ذلك أنني أرى الشمس بحاسة البصر وأشعر بحرارتها وأرى ضياءها فمن المغالطة أن يطلب إنسان مني أن أقنعه عن طريق العقل أن الشمس موجوده، لأن الحواس هنا كافية في الإدراك ولأنني سأحيل السائل في النهاية إلى حاسة البصر لأن المطلوب إدراكه من المحسوسات، وإن كنتُ مثلا في الطابق العاشر في بناية شاهقة وشاهدت من خلف زجاج النافذة بعيني دخانا يتصاعد من أسفل فالعقل ينتقل مباشرة إلى إثبات نار هي السبب في إحداث هذا الدخان، وليس ضروريا أن أدرك النار بالحاسة المبصِرة، ولا يتوقف فهم إدراكي وجود النار على الرؤية البصرية، وإنما يكفي عقلا الاستدلال بالأثر على المؤثر، وأنا أصدق بوجود حوادث وممالك قديمة، كما اعتقد بوجود أقطار وبلدان لم أرها وذلك ثابت لدي بسبب تواتر الأخبار في نقلها والإخبار عنها، فبان مما سبق أن المدركات إنما تتحصل حسب طبيعتها بوسائل ثلاث هي: العقل والحس والخبر الصادق.

• المغالطة الثانية: مغالطة الملحد في تطبيق ذلك

يأتي الملحد ويقع في المغالطة الكبرى فيطلب بعض المدركات من غير سبيلها وبغير وسيلتها، فينكر وجود الله والغيب والملائكة وغير ذلك وحجته في ذلك أن حواسه لم تدرك هذه المذكورات، والسبب في ذلك غلبة المنهج المادي أو التجريبي او الحسي على فكره، وهنا لابد لصاحب العقيدة الحقة ألا يتأثر بمثل ذلك ولا يحسبن ذلك مسلكا صحيحا، وسر بطلانه وخطئه طلبه المعقولات بالمحسوسات، وتطلبه الغيبيات التي سبيلها الخبر بالحس.

ولقد عاب الله تعالى على من سلك هذا السبيل من قديم كبني إسرائيل الذين قالوا” لن نومن لك حتى نرى الله جهرة أي: “لن نقر ونتبع ما جئتنا به حتى نرى الله جهرة وعياناً يرفع الحجب والأستار بيننا وبينه، وكشف الغطاء دوننا ودونه فنراه بأعيننا ونبصره كما نبصر كل شيء كان مغطى ثم كشف عنه غطاؤه وتبدى واضحاً جلياً للعين بدون شيء يستره ويغطيه”.

وعندما يدخل المؤمن في حوار مع أمثال هذا الصنف ينبغي أن يقوم حواره على قاعدة “طلب المدركات من طريقها المناسب” فإن اتفق الملحد معنا في التقيد بهذه القاعدة فذاك، وإلا فلا سبيل للكلام البناء الهادف معه.

• المغالطة الثالثة: تنزيل العقل غير منزلته وإعماله في غير نطاقه

عندما تكلم ابن خلدون في المقدمة عن علم الكلام قرر مسألة مهمة وهي أن “للعقل حد يقف عنده ولا يتعدى طوره”، ثم قرر كذلك أن هناك مسائل نطاقها أوسع من نطاق العقل، وهذا ليس بقادح في العقل ومدركه، والعقل على صحة أحكامه –غالبا- وأنه ميزان صحيح دعا الشرع إلى إعماله إلا أنه  لا يمكننا أن نزن به أمور الآخرة وحقيقة النبوة وحقائق الصفات الإلهية وكل ما وراء طوره فإن ذلك طمع في محال.، ثم يقول: “فلعل الأسباب إذا تجاوزت في الارتقاء نطاق إدراكنا ووجودنا، خرجت عن أن تكون مدرَكَة، فيضل العقل في بيداء الأوهام، ويحار وينقطع”، وهذا الذي ذكره ابن خلدون أصل في التعامل مع أمور العقائد بالذات، بل في غيرها كذلك، لأن عالم الغيب له قوانينه التي يعجر العقل عن تصور حقيقة عملها، ولا يصح تحميل العقل فوق طاقته بالربط الشرطي بين الإيمان والإدراك العقلي لحقائق الألوهية والجنة والنار وغير ذلك فإن ذلك خارج عن إطار العقل المحدود المخلوق الذي لا يعدو أن يكون جارحة لها نطاق إدراكها كالعين والسمع وغير ذلك، وتكمن مغالطة الملحد في هذه المسالة بأنه يريد أن يجعل العقل الفيصل النهائي بحيث يكفر صاحبه بما عجز عقلا عن أدراك كنهه، ويؤمن بما هو في نطاق إدراكه العقلي فقط، وتلك مغالطة لا تقل سقوطا عن سابقتها التي حصر أصحابها المدركات في المحسوسات، أو تطلبوا المعقولات بالحواس.

• المغالطة الرابعة: تحكيم قوانين عالم الشهادة في عالم الغيب

وتلك مغالطة خطيرة وتعد في نظر أهل الإيمان طفولة عقلية وليس ذكاء علميا كما يدعي منتحلو الإلحاد، تأتي هذه المغالطة من الملحد بقصد أو جهل، فنراه يحاول فهم الحقائق الغيبية بتطبيق قوانين عالم الشهادة المرئي والمخلوق عليها، ناسيا طبائع الأشياء واختلاف القوانين بحسب طبيعة الأشياء، فينكر أخبار الجنة والنار وخرق العادات والقوانين فيهما، لعدم استيعابه الفروق بين قوانين الدنيا التي وضعها الإنسان وبين عالم آخر لا يخضع لتلك القوانين، وهو يرى اختلاف القوانين أمامه، فمثلا حالة الإنسان في النوم وطبيعة ما يراه من رؤى وأحلام لا تحكمها قوانين اليقظة، وكذلك يوقن الملحد بما أخبر به علماء الفضاء من أن للفضاء خارج الغلاف الجوي قوانين كقانون الجاذبية وغيره تختلف كثيرا عن قوانين الأرض، وفي عالم المادة تختلف قوانين المواد تبعا لطبيعتها فقانون الحديد غير التراب غير الخشب غير الماء وهكذا، مع كل هذا يغالط الملحد ويريد تحكيم قوانين عالم الشهادة بما فيه في عالم الغيب الذي لم يره، ولم يعايشه ولم يعرف طبيعة الأشياء فيه، فلما عجزت قوانين عالم الشهادة عن تفسير حقائق الغيب كفر به وأنكره.

د. أحمد زايد

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *