من صفات الـمدرس الناجح (2): إجراءات ديداكتيكية لتنزيل الـمادة الـمعرفية


تكملة لما سبق ذكره في المقال السابق؛ والمنشور في جريدة المحجة العدد 464، وقد تحدثت فيه عن صفات المدرس وحصرتها في أمرين اثنين:

أولهما: الصفات العلمية، وثانيهما: الصفات الذاتية. وتناولتهما باقتضاب واختصار شديدين، ولذلك لابد من العودة للتفصيل والتوضيح أكثر لكل منهما، حتى تتضح الصورة بجلاء ووضوح، وسأقتصر في هذا المقال على الصفة العلمية للمدرس الناجح، وما يتطلب ذلك من إجراءات ديداكتيكة وبيداغوجية لتنزيل المادة المعرفية.

الصفات العلمية: إجراءات ديداكتيكية لتنزيل المادة المعرفية.

لما كانت مهنة التدريس من أشرف المهن التي مدح بها الله تعالى ورسوله  طالب العلم ومتعلميه؛ لأن ذلك غير محصور في الزمان والمكان، فالإنسان في تعلم مستمر يتعلم صغير الأشياء وكبيرها؛ دقها وجلها، وعليه فإن كل من أسندت له مهمة التدريس يجب عليه أن يحقق الصفة العلمية من جهة، وما تتطلبها من شروط ديداكتيكية وبيداغوجية من جهة أخرى؛ لأن ذلك من شأنه أن يساعد المتعلم على الفهم والاستيعاب، وكما هو معلوم أن المادة المعرفية ينبغي عند تنزيلها  أن تمر وفق ثلاثة عناصر ديداكتيكية وبيداغوجية يمكن إجمالها في الآتي:

أولا: المعرفة العالمة:

وأقصد بالمعرفة العالمة ما تحتويه بطون أمهات كتب العلوم الشرعية، حيث إن هذا النوع من المادة المعرفية لا يستطيع أن يفهمها المتعلمون، خصوصا المبتدئون في مسيرة طلب العلم، لأن بعض الكتب من أمهات المصادر والمراجع  القديمة تحتوي على ألغاز ومصطلحات قلَّ من يستطيع أن يفك لغزها ومعانيها ويشرح مشكلها ومجملها ومعانيها، والمطالع لبعض الكتب في مختلف العلوم الشرعية قديما يعرف ذلك جيدا، حتى إنك لتجد بعض العلماء وضعوا على كتاب واحد شروحا وحواشي وطررا كثيرة ومتعددة، وهناك من العلماء من كتب حاشية على حاشية، نظرا لما كانت تحتويه بعض الكتب من عبارات غامضة؛ ومصطلحات معقدة، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن العلماء قديما كانوا يفهمون العربية جيدا؛ بكل قواعدها وتصاريفها وبلاغتها وغير ذلك.

وعليه: فإن الكتب التي تحوي المعرفة العالمة لا يستطيع أن يفهمها إلا العلماء والباحثون الذين لهم باع طويل في العلم والمعرفة، ولهم مراس في القراءة والبحث.

ثانيا: المعرفة التعليمية- المتعلمة:

أقصد بالمعرفة المتعلمة ما كتب في الكتب المدرسية بمختلف المستويات؛ لأن تلك المعارف المبسطة نقلت من مستوى أعلى وهو مستوى العالم؛ إلى مستوى أدنى منه وهو مستوى المتعلم، وجميع تلك المعارف لا تعدو أن تكون بعض النصوص الشرعية على قلتها، إضافة إلى بعض المقتطفات من النصوص الفكرية لبعض العلماء أيضا؛ مع شرح وتبسيط لبعض التعريفات والمفاهيم.

لذلك يقتضي العمل من المدرس أن يتحقق من هذه المعرفة المتعلمة قبل الإقدام على تدريسها للمتعلمين، وذلك من حيث التثبت من الأحاديث -إن وجدت- ويميز منها المقبول من المردود والصحيح والحسن من الضعيف، وهذا النوع الأخير فيه مراتب متعددة مبسوطة في كتبها، كل ذلك من أجل أن يكتسب المتعلم معارف صحيحة ومتينة، مبنية على دليل صحيح، من القرآن الكريم  والسنة النبوية الصحيحة، إذ المعارف تبنى ولا تعطى، وهذا الأمر هو الغائب عند بعض المدرسين، فالمتعلم يبني تعلماته بنفسه أحيانا؛ وبمعية الأستاذ استرشادا وتوجيها ليس إلا، ولما يتحقق المدرس من المعرفة المتعلمة، ويميز بين الصالح منها من غير الصالح ينتقل إلى خطوة أخرى أساسية ومهمة هي الآتية:

ثالثا: المعرفة التعلمية

وهي المعرفة التعلمية، وأقصد بذلك ما يتم نقله من الكتب المدرسية إلى المتعلمين داخل الفصل، وهو ما يصطلح عليه بالنقل الديداكتيكي للمعرفة، وهنا تظهر حنكة المدرس حينما يستطيع أن يحقق أهداف التعلم بطريقة بسيطة ويسيرة دون تعب أو ملل._ وفرق كبير بين أهداف التعلم وأهداف التعليم _

أهداف التعلم يتعاقد المدرس مع المتعلمين على تحديدها في بداية كل درس أو حصة أو بداية الأسبوع، أما أهداف التعليم فهي التي تحددها الوزارة الوصية من خلال الوثائق الرسمية تكون بمثابة مخرجات التعليم المنتظرة من كل فصل دراسي أو من كل سنة.

إن تحديد الأهداف يعتبر أول خطوة تجب على المدرس استحضارها قبل أي شيء، ثم بعد ذلك يدخل في مناقشة الدرس مع المتعلمين من خلال عرض العناصر الأساسية الكبرى للدرس، لأن هذا الأمر يساعد المتعلمين على استيعاب التصور العام والكلي للدرس؛ قبل التفصيل في الجزئيات. وقد ثبت عمليا في النظريات التربوية الحديثة أن المتعلم عموما يفهم ويستوعب جيدا حين ما تنتقل به من الكليات إلى الجزئيات؛ ومن العام إلى الخاص، فالمعارف التي تكتسب بهذه الطريقة تكون أدوم من المعارف التي تكتسب بطريقة عشوائية؛ حيث لا يستطيع المتعلم معها التمييز بين ما هو كلي وما هو جزئي، وهذه الطرق تمكن المتعلم اكتساب مجموعة من المهارات والقيم  على مستوى التطبيق والتركيب والدمج وغير ذلك من المهارات المنتظر تحقيقها والمنصوص عليها في الوثائق البيداغوجية الرسمية.

إن التدريس وفق هذا المنهج يساعد كلا من المدرس والمتعلم على تحقيق مجموعة من الأهداف منها:

– التمييز في المعارف بين ما هو من الضروري وما هو من الحاجي والتحسيني وغير ذلك من الثنائيات.

– يجعل العمل يسير وفق خطوة ثابتة وطريقة محكمة بعيدا عن الارتجال والعشوائية.

– يساعد على تحقيق الهدف في أقرب وقت وبأيسر الطرق.

كل هذا لا يمكن تحقيقه إلا إذا سبقته رغبة أكيدة من المدرس في تطوير عمله، وتخطيط مسبق يكون محكما وهادفا حتى يحقق كل ما تم الحديث عنه، وإلا سيبقى حبرا على ورق.

وينبغي للمدرس من خلال ما سبق أن يبذل جهدا في عمله وأن يحب مهنته بعز وشرف، ثم يداوم على المطالعة والقراءة،  ويؤدي واجبه على أحسن ما يرام، آنئذ يمكن أن تحقق فيه فعلا صفة المدرس الناجح، هذا من حيث صفة العلمية، أما عن صفة الذاتية فهي موضوع العدد المقبل بإذن الله تعالى.

عبد الحفيظ حميش 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *