لآلئ وأصداف – نعمــة الخـــوف (1)


في اللغة ألفاظ تبدو أنها تحتل دائرة واحدة مع لفظ الخوف في معاجم اللغة. فمن ذلك:

الرَّوع: الفزع، والروعة: الفزعة.

والرعبُ: الخوف، تقول منه: رعبته فهو مرعوب إذا أفزعته. ولا تقول: أرعبته.

والفرَقُ بالتحريك، الخوف، وقد فرِقَ بالكسر. تقول: فرقت منك، ولا تقول فرقتك، كما يقال خفتك.

والفزع: الذعر، تقول منه: فزعت إليك، وفزعت منك.

إذن: الخوف، والفزع، والروع، والرعب، والفرق، والذعر، كلها تدل على معان متقاربة في اللغة.

وفي مفردات القرآن للأصفهاني بيان بعض الدلالات، بحسب الاستعمال القرآني.

فالرعب هو الانقطاع من امتلاء الخوف، يقال: رعبته فرعب رعبا، وهو رغِبٌ. والترعابة الفَروق. قال تعالى: وقذف في قلوبهم الرعب(الأحزاب: 26). وقال: سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب(آل عمران:151).وقال: ولملّئت منهم رعبا(الكهف:18). ولتصوّر الامتلاء منه قيل: رعبت الحوض ملأته.

والرَّوعُ: إصابة الرُّوع، وهو الخَلَد، واستعمل فيما ألقي فيه من الفزع. قال: فلما ذهب عن إبراهيم الروع(هود: 74).

والفَــرَقُ: تفرّق القلب من الخوف، واستعمال الفرق فيه كاستعمال الصدع والشق فيه، قال: ولكنهم قوم يفْرقون(التوبة: 56).

والخشية: خوف يشوبه تعظيم وأكثر ما يكون ذلك عن علم بما يُخشى منه. ولذلك خُصّ العلماء بها في قوله: إنما يخشى الله من عباده العلماء(فاطر: 28) وقال: الذين يبلّغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله(الأحزاب: 39).

وأما الخوف فهو توقع مكروه عن أمارة مظنونة أو معلومة. كما أن الرجاء والطمع توقع محبوب عن أمارة مظنونة أو معلومة، ويضادّ الخوف: الأمن. ويُستعمل ذلك في الأمور الدنيوية والأخروية. قال تعالى: ويرجون رحمته ويخافون عذابه(الإسراء:57)، وقال: وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله(الأنعام: 81) وقال تعالى: تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا. (السجدة:16)

وقوله: وإن خفتم شقاق بينهما(النساء:35)، فقد فسّر ذلك بعرفتم. وحقيقته: وإن وقع لكم خوف من ذلك لمعرفتكم.

قال الأصفهاني: “والخوف من الله لا يراد به ما يخطر بالبال من الرعب، كاستشعار الخوف من الأسد، بل إنما يراد به الكفُّ عن المعاصي، واختيارُ الطّاعات، ولذلك قيل: لا يُعدّ خائفا من لم يكن للذنوب تاركا. والتخويف من الله تعالى هو الحثّ على التحرز. وعلى ذلك قوله تعالى: ذلك يُخوّفُ الله به عباده(الزمر:16)، ونهى الله تعالى عن مخافة الشيطان والمبالاة بتخويفه فقال: إنما ذلكم الشيطان يُخوّف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مومنين(آل عمران: 175). أي فلا تأتمروا لشيطان وائتمروا لله”.

وأما قوله تعالى: وإني خفت المواليَ من ورائي(مريم:5)، فخوفه منهم أن لا يُراعوا الشريعة ولا يحفظوا نظام الدين، لا أن يرثوا ماله كما ظنه بعض الجهلة، فالقنيّات الدنيوية أخسُّ عند الأنبياء عليهم السلام من أن يشفقوا عليها.

وللخوف، بحسب الاستعمال القرآني، مراتب، منها:

1 – الخوف ابتلاء

2 – الخوف نقمة وعذاب

3 – الخوف نعمة

ولا بد من التذكير بأن الخوف شعور مشترك بين الناس، حيث لا يخلو منه أحد. إلا أن الناس فيه متفاوتون جدا. ولذلك اقترنت الشجاعة بعدم الخوف. والشجاعة صفة حمدية لا يتصف بها كل الناس. ولأن الخوف شعور مشترك بين الناس، بما في ذلك خوف البشر من الطغاة والجبابرة، لم يخل منه الأنبياء. قال تعالى على لسان موسى : ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكما(الشعراء:21) وقال أيضا: ولهم عليّ ذنب فأخاف أن يقتلون(الشعراء:14). وهذا كان من موسى  أول العهد بالوحي والنبوة، فلما استحكم الأمر واستيقن، لم يعد خوف مخلوق يعرف إليه سبيلا. وكذلك عندما تستقر بشاشة الإيمان في النفوس. ولذلك لما آمن سحرة فرعون بموسى ، وكانوا أشد الناس ولاء لفرعون وخوفا، واجهوا فرعون غير هيابين ولا وجلين، وقد هددهم بالقتل والصلب على جذوع النخل. قال تعالى: فألقي السحرة ساجدين قالوا ءامنا برب العالمين رب موسى وهارون قال ءامنتم له قبل أن ءاذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلسوف تعلمون لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم أجمعين. قالوا لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا أن كنا أول المومنين(الشعراء: 50 – 51).

للحديث صلة إن شاء الله تعالى.

يلتقطها أ.د. الحسن الأمراني 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *