لآلئ وأصداف ـ نعمــة الخـــوف(2)


الـخـوف ابـتـلاء:

ليس الخوف، كما رأينا، وقفا على فئة من الناس دون أخرى، ذلك بأن الخوف طبيعة بشرية، إلا أنّ طبيعة الخوف تختلف من حال إلى حال، ومن قوم إلى قوم، ومن فرد إلى فرد. وقد يجيء الخوف ابتلاء من الله واختبارا لعباده. قال تعالى: ولنلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين الذين إذا اصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون (البقرة: 155). فقد اقترن الخوف هنا بصور أخرى من الابتلاء، وهي الجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات، ولكن التعقيب المبين من قوله تعالى: وبشر الصابرين بيّن عاقبة الابتلاء المقترن بالخوف، وهي البشرى.

الـخـوف عـقـاب:

يجيء الخوف في القرآن الكريم صورة من صور العقاب الإلهي، على ما يصنع الإنسان من المآثم، وما يقترف من المعاصي، وهنا أيضا يقترن الخوف بالجوع، كما اقترنا في صورة الابتلاء الإيجابي. قال تعالى: وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئة ياتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله  فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون (النحل: 112).

ويستوقفنا في هذه الآيات أمور، منها أن الجوع هنا جاء متقدما على الخوف، خلافا لما رأيناه في آية البقرة. والجوع نوع من العذاب الشديد، وهو أشد من المسغبة، ولذلك اقترن في القرآن الكريم بالعذاب منذ عهد آدم عليه السلام، خلافا للمسغبة. وقد قال تعالى مخاطبا آدم في الجنة: فقلنا يا آدم إنّ هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى إنّ لك ألا تجوع فيها ولا تعرى (طه: 117 – 118).

وتقدم الجوع على الخوف قد يدل على أن الجوع قد يكون هو نفسه من أسباب الخوف. أي الخوف إن طال الجوع أن يؤدي إلى الهلاك.

ثم جاء التعبير استعاريا، بجعل الجوع والخوف لباسا، كناية عن الملازمة واللزوق، وجاءت صورة لباس الجوع والخوف مقابلة لصورة الأمن والاطمئنان والرزق الرغد. فهناك تضاد بين الحالين، بين هناك تلازم بين الجوع والخوف، كما أن هناك تلازما بين الأمن والاطمئنان، ولذلك كان من صور المنّ التي منّ الله تعالى بها على قريش الطعام والأمن. قال تعالى: فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف (قريش: 4). ومما يستفاد من هذه الآية الكريمة أنّ الأمن الغذائي من أهم صور الأمن الذي ينبغي أن تعنى به الأمم والشعوب من أجل تحقيق الأمن العام. وأن الشعوب إذا مست في قوتها ومعاشها فإنها تغضب وتثور؛ لأن الأمن الغذائي شرط من شروط الحياة. وهو مقدم على العبادة نفسها، إذ البطون الطاوية تتعطل مداركها، وتتقزم أشواقها وتتضاءل، فلا تنصرف هممها إلا إلى كسرة خبر، وجرعة ماء، وتتوارى عندها عوامل الإبداع، وتضعف طاقة الإنجاز، فيفوت على الأمة كثير من الخير. ولذلك لا يجوز أن تطالب فئة من الناس بواجب ما وقد اهتضمت حقوقها. والله تعالى طالب قريشا بالعبادة جزاء ما وفر لها من سبل الحياة الكريمة المتمثلة في الإطعام من الجوع والأمن من الخوف. ولذلك أيضا جعل الله تعالى الحض على طعام المسكين من أهمّ صور العبادة وأركانها التي إذا تعطلت يوشك معطلها أن ينزلق إلى مهاوي الكفر والتكذيب بالدين، حيث قال تعالى: أرأيت الذي يكذب بالدين فذلك الذي يدع اليتيم ولا يحض على طعام المسكين (الماعون: 1-3). فليس الإيمان وقفا على ركيعات يختلسها المرء اختلاسا، وحوله الأفواه الفاغرة الفارغة من الطعام، والبطون الطاوية الجائعة. ولذلك دعا الأدباء والمصلحون إلى ما يصلح أمور الناس، وجعلوا من ذلك توفير الغذاء للناس جميعا، ورفعوا شعار: “الطعام لكل فم”.

ومما يستفاد أيضا من الآية الكريمة أن تلك القرية التي ضربها الله لنا مثلا إنما يجب أن ينظر إليها لا على أنها حادثة وقعت في التاريخ وطواها الزمن، بل هي حابة قابلة للتجدد كلما تجددت الشروط، وبينت الآية أن من أسباب نزول العذاب الكفر، وفي ذلك تحذير من الكفر. وليس الكفر هنا الكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقط، فذلك كله قد لا يمسه الإنسان، وينطق لسانه بالإيمان، ومع ذلك يتعرض للعقاب إن وقع في النوع الآخر من الكفر، وهو كفر خفي قد يغفل عنه كثير الناس، وهو جحود النعم. يقال: كفر النعمة جحدها. وكانت لي عنده يد فكفرها، أي أنكرها. وليس معنى الكفر والجحود والإنكار أن ينكر النعمة بلسانه، بل معناه أن يعطل شكر النعمة. فمن لم يشكر نعم الله تعالى تعرض لزوالها. والشكر أيضا ليس مجرد كلمات يقولها دون تدبر، أو يرددها من باب العادة، وذلك في الناس كثير، ولكن الجحود هو عدم أداء حق النعمة، ومن حقها أن تصرف فيما يرضي الله ، وأن يؤدى ما فيها من حقوق الضعفاء والمساكين، وألا يتحول أصحابها إلى سفهاء، يرددون قولة قارون: قال إنما أوتيه على علم. وكم من سفيه في أمتنا، ينفق ما آتاه الله من مال فيما حرم الله، أو يمنع حق الله فيه، أو يقول لسان حاله: أنطعم من لو يشاء الله أطعمه، إن أنتم إلا في ضلال مبين.

وللحديث صلة إن شاء الله تعالى.

أ.د. الحسن الأمراني

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *