خطبة منبرية – الضمير الحي وأثره في الإصلاح 1


 الخطبة الأولى:

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له…

أما بعد، عباد الله:

إن الأمة اليوم لا تعيش أزمة اقتصاد ولا أزمة جهل ولا أزمة تدمر ولا أزمة بطالة ولا أزمة تقاتل ولا أزمة تفكك؛ أكثر مما تعيش أزمة ضمير.

فما هو هذا الضميرُ إذاً؟

الضمير عباد الله هو ذلكم الشعورُ الإنسانيُّ الباطنيُّ الذي يجعلُ المرءَ رقيبًا على سُلوكه، ولديه الاستِعدادُ النفسي ليميزَ الخبيثَ من الطيب في الأقوال والأعمال والأفكار، واستِحسان الحسن، واستِقباح القبيح، وهذا ما أشار إليه النبي . فقد أخرج الإمام أحمدُ بسند صحيح من حديث وابصة بن معبد قال: أتيت رسولَ الله  وأنا أريد ألا أدعَ شيئًا من البِرِّ والإثم إلا سألتُه عنه، فقال لي: «ادنُ يا وابصة»، فدنوت منه حتى مسَّتْ ركبتي ركبته، فقال: «يا وابصةُ، أخبرك ما جئت تسأل عنه أو تسألني؟»، قلت: يا رسول الله، أخبِرني، قال: «جئتَ تسألني عن البِر والإثم»، قلت: نعم، فجمع أصابعه الثلاث فجعَل ينكت بها في صدري ويقول: «يا وابصة، استفتِ نفسك، البر ما اطمأنَّتْ إليه النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في القلب، وتردَّد في الصدر، وإن أفتاك الناسُ وأفتَوْك».

لقد عانَت المُجتمعات المُسلِمة في هذا العصر من غيابِ الضمير الحيِّ الواعِي، ذلكم الضميرُ الذي عوَّدَهم في غابرِ الأزمان أنه إذا عطسَ أحدٌ منهم في المشرقِ شمَّتَه من بالمغرب، وإذا استغاثَ من بالشمال لامسَت استِغاثتُه أسماعَ من بالجَنوب. إنه لن يستيقظَ ضميرُ الأمة إلا بيقَظَة ضمائر أفرادِها؛ إذ كيف يستقيمُ الظلُّ والعُودُ أعوجُ؟!

إن الضمير الحيًّ أيها الإخوة؛ يمثل للمسلم جهازَ استشعار دقيق وحساس، يميز به البرَّ من الإثم، والصالح من الطالح، والنافع من الضار، لكن إذا مات الضمير، وقُتِل الرقيب، وضعُف الإيمان، فكيف للقلب السقيم أن يميز البِرَّ والإثم؟!

يحكى أنها تكتب في طرقات بعض البلدان: (أنت لست وحدك.. كلنا نراك)، وهي رسالةٌ واضحة لإيقاظ هذا الضمير، فإذا عرفتَ أننا نراك فلا تخالف في الشارع، ولا تُلقِ بالقمامة على الأرصفة، ولا تقطع إشارة المرور، إذا عرفت أننا نراك فلا تُسِيئ في أفعالك، إذا عرفت أننا نراك فلا تُتلف ممتلكات الدولة أو ممتلكات الآخرين، إذا عرفت أننا نراك فأدِّ عملَك على أفضلِ صورة…

ونحن بصفتنا مسلمين هل نحن نحتاج إلى مثل هذه القولة: (أنت لست وحدك.. كلنا نراك)؟ بل نعلم أن لنا رقيبا يراقبنا هو الله جل جلاله  ولكننا ننسى ذلك ونتناساه ونتجاهله، قال سبحانه: مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا(المجادلة: 7).

إخوة الإيمان، الضمير الحي هو ركنُ الرقابة في داخل كل إنسان، والضمير الحي هو القاضي والشُّرطي ورجل الأمن وموظَّف البلدية، الضمير الحي هو ميزان الحق والباطل، والصواب والخطأ.

كان جيلُ وابصةَ -أي جيل الصحابة رضوان الله عنهم- يحمل هذه الخصال.. ضمير حي، ونفس يقظة تميِّز الخير من الشر، والهدى من الضلال؛ ومن نماذج سلفنا الصالح عن الضمير الحي: ما ورد في الصحيح عن النعمان بن بشير، وهو يحدثنا عن هديَّة أراد أن يعطيها له أبوه، فيخصه بها دون بقية إخوانه من باقي زوجاته، فقال: أعطاني أبي عطية، فقالت أمي عمرةُ بنت رواحة: فلا أرضى حتى تُشهِدَ رسولَ الله ، فأتى رسولَ الله ، فقال: يا رسول الله، إني أعطيتُ ابنَ عمرة عطية، فأمَرَتْني أن أُشهدك، فقال: «أعطيتَ كلَّ ولدك مثل هذا؟»، قال: لا، قال: «اتقوا الله واعدِلوا بين أولادكم»، قال: فرجَع فردَّ عطيَّتَه.

لننظر إلى الضمير الحي الذي تحمله “عمرة”، وهي زوجة ثانية، وترى أن زوجَها يفضِّلُ ابنها على بقية أبنائه من باقي زوجاته، فلا تقبل، رغم ما يحصل بين الضرائر، إلا أن الضميرَ الحي لأمِّ النعمان دفَعها إلى عدم قَبول العطية لولدها دون سائر أبناء ضَرَّاتها، وانظر إلى ضمير البشير بن سعد يوم أن جاء إلى رسولِ الله  ليُشهدَه على تلك العطية.

لنتأمَّل في الضمير الحي الذي حمله الصحابي الجليل ماعزٌ ، وكذا الغامدية؛ كما جاء في الصحيحين من حديث عبد الله بن بريدة أن ماعز بن مالك الأسلمي أتى رسول الله  فقال: إني قد ظلمت نفسي وزنيتُ، وإني أريد أن تطهِّرني، فردَّه، فلما كان من الغد أتاه فقال: يا رسول الله، إني قد زنيت، فردَّه الثانية، فأرسل رسول الله  إلى قومه فقال: «تعلَمون بعقله بأسًا، تنكرون منه شيئًا؟» فقالوا: ما نعلمه إلا وفيَّ العقل من صالحينا -فيما نُرى- فأتاه الثالثة، فأرسل إليهم أيضًا فسأل عنه، فأخبروه أنه لا بأس به ولا بعقله، فلما كان الرابعة حفر له حفرة ثم أمَر به فرُجم، وكذلك الغامدية  حيث قالت: يا رسول الله، إني قد زنيتُ فطهِّرني، وإنه ردها، فلما كان الغد قالت: يا رسول الله، لِم تردُّني، لعلك أن تردني كما رددت ماعزًا.. ولكنها أصرت أن يقام عليها الحد لتطهر نفسها في الدنيا قبل الآخرة؛ لأن لها ضمير حي.

لنتأمَّل في ضمير يوسف ، يوم أن أغلقت امرأة العزيز الباب، ودَعَتْه إلى نفسها، كما أورد القرطبي في التفسير فقالت له: يا يوسف، ما أحسنَ صورةَ وجهك! قال: في الرحم صوَّرني ربي، قالت: يا يوسف، ما أحسن شعرك! قال: هو أول شيء يبلى مني في قبري، قالت: يا يوسف، ما أحسن عينيك! قال: بهما أنظر إلى ربي، قالت: يا يوسف، ارفع بصرك فانظر في وجهي، قال: إني أخاف العمى في آخرتي، قالت: يا يوسف، أدنو منك وتتباعد مني؟! قال: أريد بذلك القرب من ربي، قالت: يا يوسف، القيطون فرشته لك فادخل معي، قال: القيطون لا يسترني من ربي، قالت: يا يوسف، فراش الحرير قد فرشته لك، قم فاقضِ حاجتي، قال: إذن يذهب من الجنة نصيبي، فقال الله تعالى حكاية عن يوسف :  قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ(يوسف: 23). نفعني..

الخطبة الثانية:

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده إمام المتقين وخير الهدي أجمعين. أما بعد، عباد الله:

الأمم لا تتقدم وترتقي بكثرة القوانين واللوائح والقرارات، إنما ترتقي برقيِّ الضمائر، فيؤتى بتاج كسرى -مسلم صاحب ضمير حي- إلى عمر ، فيقول: إن جيشًا أدى هذه الغنيمة لأمين، فرد عليه علي بن أبي طالب : عدلتَ فعدلوا.

ثم إن الناسَ أصنافٌ مع ضمائرهم:

فصِنفٌ ضميرُه ظاهرٌ حيٌّ، يعرفُ المعروف، ويُنكِرُ المُنكَر، يُشارِكُ أمَّتَه همومَها وآلامَها وآمالَها، يُواسِي ويُسلِي ويتوجَّع، ذليلٌ على المُؤمنين الصادقين، عزيزٌ على الجبابِرة المُجرِمين، لا يخافُ لومةَ لائمٍ، ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ(المائدة: 56).

وصِنفٌ من الناس ضميرُه مُستترٌ لا محلَّ له من الإعراب، مثلُ العبد الذي هو كلٌّ على مولاه أينما يُوجِّهه لا يأتِ بخير، وجودُه زيادةٌ في العدد، لا يهُشُّ ولا ينُشُّ، فهو لم يَمُتْ ولكنه مُستترٌ لُدنيا يُصيبُها، أو حظٍّ يستوفِيه، أو يخشَى ذريةً ضِعافًا من خلفِه، ولسانُ حالِه يقول: نفسي نفسي. فلا يستفيدُ منه فقيرٌ، ولا ينصحُ مُستنصِحًا، وكأنه خُلِق ليأكُل ويشرب. ومثلُ هذا إن لم يتعاهَد ضميرَه، فسيكونُ مع الزمن في عِداد الضمائر الميْتَة.

وصِنفٌ ثالثٌ، وهو الضميرُ المَيت الذي يغلبُ شرُّه خيرَه أو لا خيرَ فيه، لا تجِده في المُقدِّمة ولا في السَّاقَة، لا يُشاطِرُ إلا في الشرِّ، ولا تراهُ إلا في دوائر القُبح يأمُر بالمُنكر، وينهَى عن المعروف، ويقبِضُ يدَيْه، نسِيَ الله فنسِيَه، لا تجِده إلا كاذِبًا غاشًّا أنانيًّا همَّازًا لمَّازًا مشَّاءً بِنَميمٍ، لسانُ حاله يقول: أنا ومن وراء الطوفان، وإن لم تتغدَّ بزيدٍ تعشَّى بك.

بعض الناس ماتت ضمائرهم، والبعض نامت ضمائرهم، وآخرون تعفَّنت ضمائرهم، وهناك مَن باع ضميره، ونحن نرى أصنافًا من هؤلاء اليوم، نرى المسؤول الذي باع ضميره، والإعلامي الذي باع ضميره، والقاضي والعالِم والموظف والمعلِّم الذي باع ضميره واشترى به ثمنًا بخسًا، حتى وصلت الأمة إلى هذه الحال المزرية.

ولله در من قال:

عَجِبْتُ وَحُقَّ لِي عَجَبِي

وَفِي جَوْفِي لَظَى اللَّهَبِ

وَقَلْبِي اليَوْمَ مُنْفَطِرٌ

وَدَمْعِي جِدُّ مُنْسَكِبِ

لِمَاذَا  بَعْضُ أُمَّتِنَا

بِلا دِينٍ وَلا أَدَبِ؟!

وَغَاصُوا فِي بِحَارِ الجَهلِ

وَالفَوْضَى إِلَى الرُّكَبِ

ما أحوجنا إلى إيقاظ الضمير؟ ما أحوجنا إلى إحياء الضمير؟ ما أحوجنا إلى تنبيه الضمير؟ ليعود بالمسلم إلى حياته عاملاً فاعلاً متواصلاً مثمِرًا مجتهدًا.

الضمير الحي هو ما تحتاجه الأمة من أبنائها… فهلمُّوا إلى حملة إحياء الضمير؛ لنعيد للأمة حاضرها، ونمتلك زمام المستقبل.

ذ. سليمان نمير


اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

One thought on “خطبة منبرية – الضمير الحي وأثره في الإصلاح