افتتاحية – من حقوق المواطن وكرامته إلى حقوق الأمة وكرامتها


لم يعد محل جدل أن الإنسان مكرم بالطبيعة، ولا تتقدم الشعوب والأمم حق التقدم إلا يوم تجعل الإنسان كائنا مكرما في ذاته، وفي ممتلكاته، ويعامل على أساس العدل والكرامة، ولقد أحاطت الشريعة الإسلامية الإنسان بكامل الرعاية والعناية، ووضع علماؤنا قواعد مؤصلة وضوابط مفصلة مستمدة من هدايات الإسلام وما فيه من توجيهات وأحكام؛ فبينوا أن شريعة الإسلام مبناها على مراعاة مصالح العباد وأعلاها الضروريات الخمس التي لا تتحقق الحياة إلا بها ولا يصح العيش بفقدها، واعتبروا الحاجيات في مرتبة ثانية، بدفعها يرتفع الحرج ويزول الضيق، وتتيسر سبل الحياة، أما التحسينيات فهي كمالات تزدان بها الحياة ويتحقق للناس بها رخاء ونماء نافعين في المكاسب والمعايش، ومن أجل القواعد في هذا المقام:

– أن مصالح الخلق في تحقيق مقاصد الدين، والعبودية لرب العالمين.

– أن رعاية الضروري متوقف على رعاية الحاجي والتكميلي، واختلال هذين مفضٍ إلى اختلال الضروري..

فتصبح المقاصد الشرعية منظومة متكاملة في ترشيد التصورات والتصرفات لإقامة العمران على موازين القرآن في توفير الكرامة وضمان العدل لكل إنسان.

إن كرامة الأمة والإنسان مشروطة بمراعاة هذه المراتب ضروريات وحاجيات وتحسينيات كل بحسب قوته ومرتبته وما يقتضيه الأمر من ترتيب الأولويات. وكل تشريع، وكل سياسة، وكل تفكير أو تعبير أو تدبير فردي أو جماعي في أي مجال وأي مستوى إنما مداره على هذه الأمور، وما يلزم من إجراءات لتحقيقها وتدابير تيسر سبل الانتفاع بها.

ليس شيء أضر بالشعوب والإنسان من انتهاك كرامتها ودوس حقوقها وهدر خيراتها،

ولقد عانت الأمة الإسلامية ولا تزال تعاني من اختلال في تدبير أمور البلاد والعباد وفق هذه القواعد الأصيلة والمقاصد النبيلة، لأسباب عديدة على رأسها:

– تغييب التعليم الإسلامي وإفراغه من محتواه الإيماني والعملي والقيمي، وفصله عن التربية والتوجيه، فأفرز ذلك خللا في التصور والتصرف، وتشوهات في التفكير والتعبير والتدبير كان له انعكاس سلبي مباشر على الحياة العامة للأمة.

– تغييب الشريعة الإسلامية عن تدبير الحقل السياسي وترشيده بما يلزم من ضوابط وقواعد ومقاصد، فسَادَ فسادٌ كبير في تدبير أمور السياسة، وانتشار سلوكات في الظلم والجور بجميع أشكالهما المادية والرمزية وفي مختلف القطاعات والمستويات، كما ساد الغش وضعف الشعور بالأمانة والاستهتار بالمسؤولية في جميع التراتيب الإدارية والفئات الاجتماعية، فضاعت بسببها حقوق الأفراد والأمة معا.

– تنحية الشريعة عن تقديم حلول شرعية لمعضلات الأمة الكبرى في السياسة والاقتصاد والتعليم والإعلام، فكثر الطعن في الثوابت وضاعت كثير من حقوق الأمة وأبنائها….

– مخلفات المرحلة الاستعمارية التي زادت توغلا في تضييق الخناق الاقتصادي على الشعوب الإسلامية وعرقلة النمو الذاتي لها، وأمعنت في محو ثقافتها ومقومات هويتها التاريخية والحضارية.

وإن الأمة اليوم في حاجة لاسترداد كرامتين متلازمتين: كرامة مواطنيها وكرامتها بين الأمم؛

فكرامة المواطنين لا تكون إلا بالبناء السليم للمواطنين بناء ينبني على جملة أمور منها:

– التربية المتوازنة انطلاقا من هدي الإسلام

– احترام الحقوق وصون الكرامة لأي مواطن كان من غير تمييز في اللون أو الشكل أو الحجم.

– إقامة العدل وتوسيع فرص الخير وتشجيع التنافس فيها.

– تبسيط المساطر الإدارية والإجراءات، والتزام معايير الشفافية والوضوح في التعامل مع الملفات.

وإذا كان هذا الشق قد تأسست له جمعيات وأحزاب وهيئات قطعت أشواطا في تحقيقها رغم العراقيل الكبيرة والتحديات الجسيمة، فإن حقوق الأمة وكرامتها ما تزال تنتظر من يحمل لواءها. ومما يحتاجه الأمر لصيانة حقوق الأمة وكرامتها:

– الحفاظ على دينها من التطاول عليه، بشتى أنواع التطاول الفردي والجماعي، الفكري والعملي، فلا حياة للأمة إن هي لم تحم دينها ولم تذب عنه.

– حماية لغة الأمة مما يهددها من التحديات ومن أبرز صور هذه التحديات عدم العدل بينها وبين غيرها من اللغات فتعامل لغة الأمة بالإهمال وتُقَوَّى حظوظُ غيرها في الاستعمال في كل قطاع ومجال. فأي كرامة للأمة في الوجود بغير لسانها !؟

– التمكين للعلماء والدعاة بفتح أبواب العمل الإصلاحي للإسهام في تعزيز حقوق الأمة وكرامتها في وجدان أبنائها وترسيخ قيمها تصورا وتصرفا، إشراكا للأبناء والأحفاد في استكمال ما بناه الآباء والأجداد. فليست الأمة إلا تلاحم علمائها بأبنائها، فلا وظيفة للعلماء والدعاة إلا وصل الحاضر بالماضي لبناء المستقبل، ولا هوية للأبناء إلا بالانخراط في استكمال بناء مجد الأمة والاعتزاز بذلك.

وأخيرا إن الأمة اليوم في حاجة للعمل على واجهتين متكاملتين واجهة تعزيز كرامة أبنائها وضمان حقوقهم الأساسية في العدل والكرامة لتعزيز وحدة صفها وقوة بنائها، فكرامة الأمة من كرامة أبنائها والعكس صحيح، وهي مسؤولية جسيمة طويلة المدى يتقاسمها جميع أبناء الأمة خلفا عن سلف، وقد صدق رسول الله  حينما قال: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته».

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *