إلى أن نلتقي ـ لماذا نحن أمة واحدة؟؟


نحن أمة واحدة لأن الذي يجمعنا أكثر من الذي يفرقنا.

أول شيء يجمعنا هو الدين الذي ندين به، الذي ختم الله تعالى به الرسالات، وأتم به النعمة، جاء رحمةً للعالمين، وهدىً للمتقين؛ فيه كرامةُ ابن آدم ومجدُه، فيه عِزُّه وسؤدده، فيه طمأنينتُه وسكينته، فيه أمنُه وسلامته، فيه كل شيء يريده لدنياه وأخراه: لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ(الأنبياء: 10)،وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ(النحل: 89).

وثاني شيء هو هذه الحضارة العظيمة التي نشأت بسبب هذا الدين، إذ أنه لما انتشر دين الإسلام في الأرض ودخل فيه الناس أفواجا، نسي هؤلاء الناس انتماءاتهم القبلية والعرقية والقومية، وانصهروا فيه انصهارا تاما، ومن ثَمّ كان لسان حال كل مؤمن يقول: “أنا ابن الإسلام”، وشعاره مع سائر الناس: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ(الحجرات: 13).

ومما ينبغي أن يعتز به كل مسلم، بل وكل إنسان أن حضارة الإسلام ليست خاصة بعرق من الأعراق أو جنس من الأجناس، ولكنها حضارة شعوب متعددة اعتنقت الإسلام وآمنت بهديه، فأسهمت وهي مقتنعة وراغبة في أن تترك أثرها في هذه الحضارة حتى تُحمَد في الدنيا وتؤجر في الأخرى.

نعم لقد كان لسان هذه الحضارة –وما زال، وسيظل بإذن الله تعالى– هو اللسان العربي، ولكن لا يعني ذلك أنها حضارة عرقية أو قومية، بل هي حضارة إنسانية عالمية، لا ينعم بها بنو آدم فقط، بل إن فضائلها تعود بالخير والرحمة والبركات على كل الكائنات والبيئات.

ومما هو طريف أن يلتفت ابن خلدون رحمه الله تعالى إلى أثر الشعوب غير العربية في بناء الحضارة الإسلامية، فقال قولا نقله العديد من المؤلفين قديما وحديثا. فقد عقد فصلا في تاريخه بعنوان: “الفصل الثالث والأربعون في أن حملة العلم في الإسلام أكثرهم العجم” ومما جاء في أوله: “من الغريب الواقع أنّ حملة العلم في الملّة الإسلاميّة أكثرهم العجم، لا من العلوم الشّرعيّة ولا من العلوم العقليّة، إلّا في القليل النّادر… مع أنّ الملّة عربيّة وصاحب شريعتها عربيّ”.

وبالتأكيد فإن قول ابن خلدون هذا لا ينتقص من قيمة العرب أو العربية، فالعرب هم أحد الشعوب الأساسية المكونة للأمة، وأما العربية –وكما سبق الذكر- فهي لسان هذه الأمة بأسرها، ولسان حضارتها، واللسان المشترك الذي يجب أن يكون بين شعوبها، في التواصل والتعليم وسائر العلوم.

إن هذه “التركيبة” التي قامت عليها الحضارة الإسلامية وسارت عليها، هي مُخرَج القواعد الأساسية للإسلام، ويتضح بعض ذلك من خلال ما يلي:

< أننا لا نجد في القرآن الكريم خطابا للعرب خاصة، وإنما الخطاب فيه لمجموعتين كبيرتين:

– مجموعة بني البشر بأسرهم، باعتبار أنهم أبناء آدم، وآدم خلقه الله تعالى من تراب. وقد جاء خطابهم على ثلاث درجات: يَا أَيُّهَا الاِنسَانُ، يَا أَيُّهَا النَّاس، يَا بَنِي آدَمَ.

– وضمن المجموعة البشرية هناك مجموعة الذين آمنوا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، وهي مجموعة محورية في الخطاب القرآني لأن عليها مدار الأمر.

وأما ما ورد فيه من خطاب لبني إسرائيل وأهل الكتاب، أو الذين كفروا، فله أغراض خاصة بيَّنها المشتغلون بالقرآن الكريم؛ تفسيرا وتدبرا. وهذا الخطاب هو من فرع الخطاب الأول الموجه للمجموعة البشرية وتابع له.

وبين هذا وذاك، هناك نداء لأولي الألباب وللعباد، وكل هذه النداءات أو الخطابات تفيد العموم وليس الخصوص، أي أنها نداء لبني آدم على العموم؛ لأن الجميع عبادٌ لله تعالى طوعا أو كرها، ولأن الجميع مأمورون بالتفكر والتدبر في الوحي: القرآن المسطور، وفي الكون: القرآن المنظور، لأن التدبر النزيه يهدي إلى التأكد من أن هذا الكون وما فيه لم يُخْلَق عبثا، بل هو من تدبير عليم حكيم.

< لكن في المقابل نجد إشادة كبيرة بعربية القرآن وبيانه، مع ربط عربية القرآن بالتقوى وضرورة استعمال العقل وتدبره والتفكر فيه: إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ(يوسف: 2)، وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا(طه: 113). إلى غير ذلك من الآيات. مما يعني أن عربية القرآن في علاقتها بعالمية رسالة الإسلام تتضمن سرا من أسرار الإعجاز في الذكر الحكيم، وتميزا في هُوية الحضارة الإسلامية. وقد تجلى بعض ذلك في ما عرفته حضارة الإسلام من تنوع شعوبها في لغاتهم وأعراقهم وألوانهم وثقافاتهم، ومع كل ذلك انصهر الجميع في هُوية واحدة، اسمها الهوية الإسلامية…

لأجل ذلك، وغيره كثير، نحن أمة واحدة.

أ.د. عبد الرحيم الرحموني

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *