إلى أن نلتقي – رغم الجراح، أُمَّتُنا أُمَّةٌ واحدة


أمتنا تعاني من جراح عديدة كثيرة متنوعة:

جراح مذهبية فرقتنا طرائق قِدداً، كل طريقة ترى أنها هي التي على الحق..

وجراح فكرية فرقتنا أهواء متباينة.. كل هوىً يكاد أن يكون إلها من دون الخالق يعبد..

وجراح سياسية فرقتنا أحزابا؛ كل حزب بما لديهم فرحون..

وجراح عرقية فرقتنا قبائل وشعوبا، لا لنتعارف، ولكن لنتناحر ونتدابر..

وجراح أخرى أكثر من السابقة وأعظم وأشنع… إنها تلك الجراح الحقيقية التي تسيل دماء بريئة هنا وهناك من بلاد هذه الأمة: دُور تهدّم على رؤوس أصحابها، أطفال يُقَتَّلون أو يُعذّبون، شيوخ يهجرون، نساء تُرمّل وتُستباح أعراضُهن، وشباب لا حول لهم ولا قوة..

لقد مرَّت على تاريخ أمتنا أحداث جسام، لكن ما يحدث في أمتنا هذه الأيام، في زمن المدنية الحديثة، وفي زمن حقوق الإنسان، وفي مقدمتها حقه في العيش، وفي زمن الديمقراطية والحرية وما شئت من شعارات، وفي زمن أصبح العالَم فيه كالقرية الصغيرة، أقول: ما يحدث في أمتنا، ولَها، هذه الأيام لم يمر بحجمه وفظاعته في تاريخها ولا في تاريخ أي شعب آخر.. أحداث غريبة… جراح أليمة… فُرقةٌ كبيرة… وما خفي أعظم.

يحدث كل هذا باسم الدفاع عن الهُوية تارة، والوطن تارة ثانية، والقِيم تارة ثالثة، بل وبِاسم الدين في كثير من الأحيان، وكل هذه الثلاثة من الجميع براء، فلا الوطنية تشفع في الاعتداء، ولا الهُوية تشرعن الهمجية، ولا القيم الحقيقية تسمح بإيذاء الغير. أما الدين فيا ليت قومي يعلمون ما في هذا الدين من رحمةٍ وكرامةٍ لبني الإنسان. نعَمْ؛ الَّرحمةُ والكرامةُ، تكفي هاتان الكلمتان ليعيش الإنسان، أي إنسان، في كنف دلالاتهما في طمأنينة وسكينة مدى الحياة.

ومما يغذي هذه العدوانية خفوت الشعور بالانتماء للأمة، ومن ثم اضمحلال الانتماء إلى الآدمية أو الإنسانية، وذلك بسبب تضخم الشعور بالأنا، وظهور العرقيات والقوميات وطغيانها على سطح الأحداث بشكل كبير، فقد ظهر الحقد والجشع والرغبة في قمع الآخر وإذلاله، حتى بدأنا نشاهد في عدد من وسائل الإعلام، ووسائل التواصل الاجتماعي مقاطع مصورة تبين مقارنات في العديد من السلوكات بين بني الإنسان وبين بني الحيوان: في الإيثار والشفقة والرحمة والمعاملة الحسنة والإسعاف والإطعام وحتى الإنقاذ من الأخطار، وفي ذلك كله فاق فيها الإنسان الحيوان.

نعم يبقى الإنسان إنسانا بطبعه، والحيوان حيوانا كذلك بطبعه، ولكن مروجي هذه المقاطع المصورة، وهم يتبادلونها فيما بينهم يحسون أن القيم الإنسانية قد تدنّت عند بني آدم بشكل كبير، وخاصة في بلاد الإسلام.

إن الانتماء للوطن والغيرة عليه والدفاع عنه لا يلغي الانتماء إلى الأمة، والإحساس بما يشعر به أبناؤها هنا وهناك من المآسي، والاهتمام بأمورهم والتضامن معهم ولو بالدعاء، وذلك أضعف الإيمان. فلقد ورد في الحديث النبوي: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا» (متفق عليه). وإن التقزز من مشاهد المآسي التي تعرضها وسائل الإعلام، والتي يعيشها المسلمون هنا وهناك من بلاد الله، والنفور من متابعة ذلك، بدعوى ألا شيء يمكن أن يُفْعَلَ، وأن لكل فرد، أو لكل شعب مشاكله… مثل هذا السلوك والاعتقاد بعيد عن طبائع المسلم الذي يؤمن بأن أهل القبلة تجمعهم كلهم كلمة “لا إله إلا الله محمد رسول الله”، فضلا عن أن بني آدم مهما اختلفت أوطانهم وألوانهم ولغاتهم، فقد خُلقوا ليتعارفوا، وكلنا نقرأ قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ(الحجرات: 13).

أما الانتماء للإسلام والاهتداء بهديه، فإنه يفرض أكثر من ذلك؛ لأن المنتمي إليه يؤمن أن المسلم أخو المسلم، كما جاء في الحديث النبوي: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ، مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللهُ فِي حَاجَتِهِ…» (رواه مسلم)، ويؤمن أيضا أن المؤمنين، حيثما كانوا جسد واحد، كما في قوله : «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى» (رواه البخاري ومسلم)، وبذلك فَهُم يشكلون أمة واحدة، كما في قوله : «الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، وَيُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ» (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ).

لكن مع كل هذه الجراح، تبقى أمتنا أمة واحدة، ونسأل الله تعالى أن يكشف عنها كلّ غُمّة.

أ.د. عبد الرحيم الرحموني

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *