مع كتاب الله عز وجل – من معاني مصطلح الهجرة في القرآن الكريم


مفهوم الهجرة من المفاهيم الكبرى التي كانت محددة للشخصية الإسلامية ومقوما أساسا من مقومات المجتمع في فترة من فترات التاريخ الإسلامي، يدل على ذلك مجموعة من الآيات القرآنية منها قوله سبحانه: إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ(البقرة: 218)، وقوله: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيم(الأنفال: 74).

بل اعتبرت الهجرة شرطا في الموالاة بين المسلمين كما جاء في قوله : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا  (الأنفال: 72).

ولقد وعى المسلمون بناء على ذلك قيمة الهجرة وعظم شأنها، ويكفي للدلالة على احتفائهم واعتزازهم بها أن جعلوها بداية للتأريخ الإسلامي، ذلك أنها كانت حدثا مفصليا في تاريخ الإسلام، وبها انتقل المسلمون إلى واقع جديد تمثل في ظهور الدين وعلو شأن أهله من خلال إقامة شعائر محدِدة للمجتمع الإسلامي ومميزة له عن سائر المجتمعات، كما قال السرخسي في شرح السير الكبير: (فإن ظهور أعلام الدين كَالْجُمَعِ وَالْأَعْيَادِ وَأَمْنَ المسلمين مِنْ أَذَى الْمُشْرِكِينَ إنما كان من ذلك الوقت، فجعلوا التاريخ من وقت الهجرة لهذا).

ومعلوم أن الهجرة من مكة إلى المدينة قد سُبقت بهجرة المسلمين إلى الحبشة في وقت تمادى فيه كفار قريش في التنكيل بالمؤمنين وتعذيبهم، ففروا ببذرة الدين التي استنبتت في نفوسهم، تلك البذرة الطيبة للخير الذي سيعم لاحقا الإنسانية جمعاء، كما هاجر النبي إلى الطائف بحثا لتلك البذرة عن منبت صالح يحتويها فيمدها بالعناصر الصالحة للنمو.

غير أن الهجرة المقصودة عند إطلاق اللفظ هي ذلك الانتقال من مكة إلى المدينة، هذه المدينة التي وهبها أهلها ووهبوا أنفسهم معها لله تعالى ولدينه ولنبيه، وبذلوا أنفسهم وأموالهم لدين الله بعد أن عرفوا حلاوته في النفوس، ولذلك لم تكن الهجرة لتصبح هذا الحدث الذي نتحدث عنه اليوم لولا الأنصار الذين أصبح اسمهم علما يتحدد بمفهوم يقابل الهجرة ويحدد الموقف منها، وهو مفهوم النصرة أو الإيواء الذي اعتبر هو الآخر محددا للشخصية المسلمة عند الطرف الآخر ذي الموقف الخاص من الهجرة، يقول الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ(الأنفال: 72).

غير أننا، بتأمل الآيات القرآنية المشتملة على مستعملات مادة (هجر) في القرآن الكريم، نجدها غير مختصة بهذا المعنى المتمثل في الانتقال من دار الكفر إلى دار الإيمان، الأمر الذي ينسجم مع معنى المادة في أصلها اللغوي، فقد جاء في مقاييس اللغة لابن فارس أن: « الْهَاء وَالْجِيم وَالرَّاء أَصْلَان: يَدُل أَحَدُهُمَا عَلَى قَطِيعَةٍ وَقَطْعٍ، وَالْآخَرُ عَلَى شَدِّ شَيْءٍ وَرَبْطِهِ ». ثم قال: « فَالْأَوَّلُ الْهَجْرُ: ضِدُ الْوَصْلِ. وَكَذَلِكَ الْهِجْرَانُ. وَهَاجَرَ الْقَوْمُ مِنْ دَارٍ إِلَى دَارٍ: تَرَكُوا الْأُولَى لِلثَّانِيَةِ »، وقال الراغب الأصفهاني: « الهَجْرُ والهِجْرَان: مفارقة الإنسان غيره، إمّا بالبدن، أو باللّسان، أو بالقلب ».

وخلاصة ما يمكن قوله بخصوص هذا المفهوم القرآني، أن الهجر والهجران والهجرة وإن كانت بينها فروق في الاستعمال اللغوي عموما، إلا أن بعض استعمالات المادة يتحد في القرآن والحديث، بل وفي اللغة أيضا، يدل على ذلك تعريف الراغب السابق للمادة، الذي جمع فيه معنى الهجرة والمهاجرة حيث قال: « الهَجْرُ والهِجْرَان: مفارقة الإنسان غيره، إمّا بالبدن، أو باللّسان، أو بالقلب »، فأدخل عمل البدن الذي يصطلح عليه عادة بالهجرة في مسميات المادة، كما يدل لذلك قول الرسول  في الحديث الصحيح: «المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ»، وبناء على ذلك فلمادة (هجر) في القرآن الكريم مستويان:

– الأول: الهجرة إلى الله تعالى بالانتقال البدني من مكان إلى آخر، وهذا المستوى ينقسم إلى درجتين: تتمثل الأولى في الانتقال النهائي من مكان إلى آخر في سبيل الله ونصرة لدينه، وهذا هو المفهوم الذي يقصد عند إطلاق لفظ الهجرة، وهو الذي سبق الحديث عنه. وهو مفهوم مرتبط بزمن ومكان مخصوصين، ولقد انقطعت هذه الهجرة بفتح مكة بنص الحديث الصحيح المتفق عليه: «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ»، إلا أن بعض المفسرين رأوا أن الهجرة، وإن انقطعت بعد الفتح كما جاء في الحديث الشريف، إلا أنها قد تشرع عند الحاجة، من ذلك قول الرازي: « الْأَصَحُّ أَنَّ الْهِجْرَةَ انْقَطَعَتْ بِفَتْحِ مَكَّةَ لِأَنَّ عِنْدَهُ صَارَتْ مَكَّةُ بَلَدَ الْإِسْلَامِ، وَقَالَ الْحَسَنُ: الْهِجْرَةُ غَيْرُ مُنْقَطِعَةٍ أَبَدًا، وَأَمَّا قَوْلُهُ : «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ» فَالْمُرَادُ الْهِجْرَةُ الْمَخْصُوصَةُ، فَإِنَّهَا انْقَطَعَتْ بِالْفَتْحِ وَبِقُوَّةِ الْإِسْلَامِ. أَمَّا لَوِ اتَّفَقَ فِي بَعْضِ الْأَزْمَانِ كَوْنُ الْمُؤْمِنِينَ فِي بَلَدٍ وَفِي عَدَدِهِمْ قِلَّةٌ، وَيَحْصُلُ لِلْكُفَّارِ بِسَبَبِ كَوْنِهِمْ مَعَهُمْ شَوْكَةٌ وَإِنْ هَاجَرَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ تِلْكَ الْبَلْدَةِ وَانْتَقَلُوا إِلَى بَلْدَةٍ أُخْرَى ضَعُفَتْ شَوْكَةُ الْكُفَّارِ، فَهَهُنَا تَلْزَمُهُمُ الْهِجْرَةُ عَلَى مَا قَالَهُ الْحَسَنُ، لِأَنَّهُ قَدْ حَصَلَ فِيهِمْ مِثْلُ الْعِلَّةِ فِي الْهِجْرَةِ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ » (مفاتيح الغيب، 15/519).

وتتمثل الدرجة الثانية في الانتقال البدني المؤقت نصرة لدين الله عبر فريضة الجهاد في سبيل الله، وهذا المعنى للهجرة هو ما يشكل تمحيصا لإيمان المؤمن، ووسيلة للتمييز بين المؤمن والمنافق كما ورد في قوله عز من قائل، خطابا للمؤمنين بخصوص ضوابط تعاملهم مع المنافقين: فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ(النساء: 89).

– المستوى الثاني للهجرة، وهو لا يقل أهمية عن المستوى الأول، وهو أيضا على درجتين:

الأولى: تدخل في نطاق ما يتعلق بالاستعداد النفسي لتبوء درجة الإصلاح والدخول ضمن زمرة المصلحين، وهو يشكل مقوما من مقومات شخصية المؤمن المصلح، الذي ينفع الله على يديه البلاد والعباد، وهذه الدرجة رفع الله إليها نبيه بواسطة إرشاده وتوجيهه وإعداده للرسالة، إذ كان من أوائل ما خوطب به النبي  قوله سبحانه: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرّجْزَ فَاهْجُرْ وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ وَلِرَبِّكَ فَاصْبِر(المدثر: 1-7).

والدرجة الثانية: تتمثل في الإعراض عن الغير إعراضا يقصد به وجه الله تعالى، وهذا ما ورد في التوجيه الذي خاطب الله نبيه  أيضا في قوله عز من قائل: يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلا نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلا إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلا وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلا رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلا وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلا  (المزمل: 1-10).

ويمكن القول، في إطار الفروق بين الخطاب بالهجر الوارد في السورتين، أن الهجر في سورة المدثر أعم منه في سورة المزمل؛ لأنه توجيه عام لهجر كل ما يغضب الله تعالى، من عبادة ما سواه وفعل ما ينهى عنه، فكأنه يدخل في إطار ما يسمى بالاستعداد النفسي لتحمل مسؤولية عظمى، ذلك أن مسؤولية من شاكلة إصلاح النفوس لابد لمن يتصدى لها أن تكون نفسه من القوة والثبات بحيث يمكنه إصلاح غيره والصبر على أذاه، أضف إلى ذلك ما يجب أن يقدمه هذا المصلح من قدوة حسنة تشجع على فعل ما يلتزم به من سلوك قبل أن يدعو إليه، ولا شك أن ترك المعاصي وهجران الرذائل يحقق الغرضين: قوة النفس وصلاح القدوة. قال القشيري في لطائف الإشارات: « قوله جل ذكره: وَالرّجْزَ فَاهْجُرْ أي: المعاصي. ويقال: الشيطان. ويقال: طهّر قلبك من الخطايا وأشغال الدنيا. ويقال: من لا يصحّ جسمه لا يجد شهوة الطعام، كذلك من لا يصحّ قلبه لا يجد حلاوة الطاعة ».

أما الهجر الوارد في سورة المزمل، فيقصد به تلك المعاملة الخاصة التي يجب على من يتصدى للإصلاح أن يواجه بها دعاة الباطل الذين يقفون في وجه عملية الإصلاح، ويعرقلون مهمة المصلح، ولقد وصف هذا النوع بالجمال واهجرهم هجرا جميلا؛ لأنه هجر في الله وفي سبيل دعوته، لا هجرا في سبيل رد الاعتبار للنفس أو هجرا بغرض الانتقام من دعاة الباطل؛ لأن الهجر في الله يحتم الانضباط لشروط الدعوة إلى الله بالتي هي أحسن، مع نبذ الكراهية لشخص المخالف؛ لأن المقصود بالرفض والتصحيح هو سلوكه، أما شخصه فالله تعالى هو وحده من يتولى أمره، فيغفر سبحانه لمن يشاء ويعذب من يشاء، كما أنه وحده من يتولى أمر نصرة دينه، وما المصلح إلا شخص اختاره الله واستعمله لتحقيق هذا المطلب تفضلا منه سبحانه عليه لينال أجر هذا العمل وفضله.

ولقد قال السعدي في معرض تفسيره للآية: « وأن يهجرهم هجرا جميلا وهو الهجر حيث اقتضت المصلحة الهجر الذي لا أذية فيه، فيقابلهم بالهجر والإعراض عنهم وعن أقوالهم التي تؤذيه، وأمره بجدالهم بالتي هي أحسن ».

ويدل على علاقة العموم والخصوص بين الاستعمالين في السورتين، أن سورة المزمل وإن ورد أنها مرتبة من حيث النزول قبل سورة المدثر؛ إلا أن الآيات المشتملة على الهجر في سورة المزمل نزلت بعد سنة من نزول صدر السورة، حيث جاء في كتاب الإتقان للسيوطي أن قوله تعالى: وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلا « نَزَلَ بَعْدَ نُزُولِ صَدْرِ السُّورَةِ بِسَنَةٍ، وَذَلِكَ حِينَ فُرِضَ قِيَامُ اللَّيْلِ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ فَرْضِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ »، أي بعد أن واجه المشركون النبي  ورفضوا دعوته التي كان قد استعد لتبليغها، من ضمن ما استعد به، بهجر السوء من القول والفعل بما جبله الله عليه من صفات وخلق، ثم بما رباه به وأدبه به من توجيهات على غرار ما جاء في سورة المدثر.

خلاصة هذه التأملات المتواضعة لمادة (هجر) في القرآن الكريم أن الهجر والهجرة لها مستويان، ولكل مستوى خصائص:

– أحدهما: الهجر المتمثل في الإعراض عن السوء وأهله، وهو على درجتين: الأولى تتمثل في الاستعانة على إصلاح أهل السوء بهجر هذا السوء، باعتبار هذا الهجر مقوما لإصلاحهم كما سبق بيانه، والثاني بهجرهم هجرا جميلا متى استنفذت وسائل الإصلاح.

– والثاني وهو المفارقة البدنية لهم عندما يصبحون خطرا على بذرة الإيمان والصلاح في نفوس المصلحين أنفسهم، وهو الذي اصطلح عليه بالهجرة.

وتبقى الإشارة إلى أن ترتيب هذين المستويين ليس مطردا، فقد يسبق أحدهما الآخر بحسب حال المهاجر قوة وضعفا، وبحسب حال من يهجرهم، وإن كان الهجران المتمثل في ترك ما نهى الله عنه واجبا على كل مسلم، ونفعه يتعدى الملتزم به إلى مجتمعه متى كان هذا الملتزم به ممن يتصدى للدعوة إلى الله، أو يحمل راية إصلاح أحوال مجتمعه وأمته، وفيه تجتمع أوجه المتاركة والهجر بالبدن وبالقلب وباللسان لكل سلوك أو قول غير قويم، وبذلك ينال المؤمن فضل التأسي بالنبي  الذي أمر بهجر الرجز فامتثل، فكان خير المربين المعلمين الصابرين المحتسبين، وكانت وسيلته إلى ذلك هي الصبر الذي أمر به في آخر التوجيه الوارد في هذا الخطاب الإلهي الحكيم، قال النيسابوري: « وعن الحسن وغيره أنه لما أمره الله بإنذار القوم وتكبير الرب وتطهير الثياب وهجران الرجز قال: وَلا تَمْنُنْ على ربك بهذه الأعمال الشاقة كالمستكثر لما تفعله بل اصبر على ذلك كله، ويؤكده قوله بعد ذلك: وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ، أي استعمل الصبر في مظانه خالصا لوجه ربك ».

والله أعلم وأحكم.

دة. كلثومة دخوش

اترك تعليقا :

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *